|
English |
French |Arabic
(...) إنني أعزو هذه الغرابة في التعبير عند أنسي الحاج ونعْت هذا التعبير
بأنه غير عربي، إلى كون أنسي الحاج قد أدخل إلى المفردات الشعرية العربية
تعابير غير متداولة في الشعر. وهو لم يدخل فقط ألفاظاً جديدةً، بل إنه أغنى
القاموس الشعرى العربي- إذا صحّ التعبير- بمفردات أدخل الكثير منها دفعة
واحدة فظهرت غريبة خارجة على المألوف. لكنه لم يكتف بإدخال مفردات جديدة
على التعبير الشعري العربي: إن الكلمة التي حملها، قد حمّلها أكثر مما
تعوّدنا أن نرى. أللغة في "لن" تنفجر بمعان غير مألوفة، وهي موضوعة في سياق
غير مألوف، هذا هو وجه الغرابة.
لولا الشعر تموت اللغة، تموت بالفعل. ومن هذا المنظار، أهمية "لن" إنها
أدّت خدمة كبيرة في إحياء اللغة وتجديدها. وهذه الناحية تنعكس، بدون ريب،
على طبيعة شعر أنسي الحاج وموقفه من الحياة. لقد رأينا أنه رافض. وهكذا
رَفَضَ التقليد، رفَضَه شكلاً ومضموناً.
يوسف
الخال
أنسي الحاج رفع قصيدة النثر إلى مستوى الشعر الحقيقي. فلغته لغة حضارية،
لمّاحة، متوهّجة، ناضرة، شفّافة. أنسي رفيقي على درب الشعر الطويل، وأنا
فخور بكل كلمة كتبها أو سيكتبها. إنه نموذج للشاعر الحقيقي حيث يلتقي الشعر
والرسولية في جسد واحد. إني أحبه وأحلم دائماً أن أقتني واحداً من خواتمه.
نزارقباني
... تلك الحركة الخارقة، من تصادم الصور بالصور والكلمات بالكلمات
والكلمات بالصور، والتي تلفّ الجزء الأكبر من "لن" وخصوصاً الجزء الأول،
رغم عدوانيتها اللغوية، كأنَما في سفكها الطازج للمتراكم والراسب والعادي
والشائع، تخبىء وصولاً جمالياً خاصاً، يرسو في بقعة جمالية تتجاوز المد
المخرب الزاجر الهادم، إلى بناء لغوي- شعري متهيىء وفاتح.
القصيدة ترفع الخراب (العدوانية) والتمرّد والرفض، تطحن الكلمات لتسحب
منها نشيداً، نشيداً حياً لا يلبث أن ينتقل في الجزء الثاني من "لن" من
الأشكال الجسدية والحواس المستنفرة في فجاجتها إلى الأشكال المجرّدة
والغنائية، ذات المد المستلين على حدة، ليبرز نوع من "التأليف" هو أقرب إلى
كتابة ترجمة جوّانية للتجربة الإنسانية والنفسية، حيث يطل نَفَس تأملي عالٍ
وفاجع. كأنما بعد تلك الرحلة المحمومة والمجنونة تراكمت كل اللحظات في لحظة
درامية متفجّرة وقف فيها البطل في خراب الزمن ليتلو نهاية المرثية، أو
بدايتها.
بول
شاوول
الحرب قد لا تبكيني. أغنية صغيرة قد تبكيني، أو كلمة لأنسي الحاج. هو تؤامي
(...) أحترم أنسي الحاج لأنه بقي في بيروت تحت القصف، وأحبه شاعراً شاعراً
وناثراً وصامتاً.
محمدالماغوط
هذا الشاعر الذي يكتظّ بنفسه حتى لا يختلط بأحد ويشفّ حتى لا يعود أحداً،
بل يصبح حالة مكاشفة بين الكائن وذاته، وبين الروح وصدئها المتراكم.
شوقي
بزيع
بعد خمسة وثلاثين عاماً (عام 1994) على صدور كتاب "لن" (صدر عام 1960)
أقرأه كما لو أنني أقرأه للمرة الأولى. كأن الأعوام التي مرّت عليه لم تزده
إلا تألقاً وحدّةً وسحراً. بل كأن الشاعر "المراهق" آنذاك لم يكتب كتابه
الأول إلا ليُقرأ في ما بعد، ليظلّ يُقرأ جيلاً بعد جيل (...) ومن يقرأ
الآن "لن" لا يصدق كيف أن إبن الثانية والعشرين إستطاع أن يخوض تجربة
جحيمية مماثلة وأن يكون واحداً من "المصابين" الذين خلقوا عالم الشعر
العربي الجديد.
(...) ليست اللغة لدى أنسي الحاج مرآة للعالم
الداخلي بل هي العالم الداخلي في توتراته وغموضه. لم يعد بين اللغة وغايتها
فرق. إنها المادة المتجسدة، الحسّية والمتجرّدة، تكتشف نفسها وتنكشف
لنفسها. هي الجوهر والأداة، هي الفضاء والسديم (...) فاللغة التي تميّز بها
شعر أنسي الحاج هي اللغة في ذروة تجليها...
بعد خمسة وثلاثين
عاما على صدور "لن" نقرأه اليوم وكأنه كتب للفور أو كأنه سيكتب غداً
(...) وسيظلّ "لن" كتاباً فريداً ونادراً في تاريخ الشعر العربي الحديث بل
تجربة يتيمة يصعب أن تتكرّر لا لفرادتها وندرتها فقط بل لطابعها الخارق
والعجيب.
عبده
وازن
ثمة شيء يخيفني في تجربة أنسي الحاج، لا أعرف كيف أصفه. ربما على شكل سؤال:
ما الذي كان يحدث لو أن أنسي الحاج كان مسلماً ويكتب باللغة نفسها
وبالروحية نفسها التي كتب بها؟ حتماً لحدث تغيّر حقيقي في مسيرة الكتابة
العربية، لأن تمرّده حقيقي، وغاية كل تمرّد حقيقي الباطنة هي ردم الدلالة
الدينية للغة التي ترتكز عليها صلة ثقافة بتراثها. وكثيراً ما كان هذا
مضمراً في كتابات أنسي الحاج. أقول مضمراً، لأنه آخَر، غير مسلم، لا يحقّ
له هَتْك سرّ المحرّم الإجتماعي (...)
أنسي الحاج ليس مجرد شاعر له دواوين. إنه أشبه بشعرية – حركية لها
النموذج والتنظير. ويجب أن يُقرأ شعره من خلال ما كتبه ويكتبه من مقالات
تأملية أو تنظيرية. لكن هذه الحركية، هذا الشاعر المرفوض كآخر من قبل لاوعي
جماعي مكبوت، ستظل مجرد أحلام يقظة تشغف بشغاف المحرّم, تحتاج إلى يوم صافٍ
لكي نتنفسها هواءً صحياً، شعوراً إجتماعياً تدركه أجيال جديدة (...)
عبد القادرالجنابي
هل صحيح أن أنسي الحاج في " الرأس المقطوع" شاعر يقوم بمغامرة سافرة مع
الشعر؟ الجواب بلا تردد : نعم. إن الشعر عند صاحب "لن" و "الرأس المقطوع"
مغامرة خطرة، متعدّدة الجوانب، واسعة الأفق، مذهلة الأبعاد. والحديث عن
أنسي الحاج في "الرأس المقطوع" ليس حديثاً سهلاً إنما هو مغامرة مرعبة في
البحث عن شيء ما. وهذا "الشيء ما" هو إكتشاف مثير، ممتع ورهيب.
ريا نجيب
الريس
"لن" و "الرأس المقطوع" حدث في اللغة العربية لم تستوعبه بعد، أي لم تحوله
إلى تاريخها وتراثها. فهنا كتاب مضاد للادب. وكتابة لا يمكن أن تُتناول
بالمعيار الأدبي أو تُقاس به (...) هي دعوة لجمالية أخرى لم يكن في وسع
الجملة العربية المقنّنة المقطّرة المعلّبة أن تقبلها: كتابة تتم في تجاهل
تام للأدب المكتوب بحقلي ألفاظه ودلالاته. بصلته بالمادة الأولى. بقيمته
المتضمّنة. هنا يسقط الحيّز الأدبي نهائياً فيتدفق قاموساً ومجازات لم تكن
البتة في الإحتمال، وهنا تبقى الكتابة على صلة بالفم والعصب. فتتسع لنص
يستمد إيقاعه من توتر داخلي ومن نضارة اللغة الشفوية ومفاجآتها.
... سعي إلى كتابة شاملة، إلى نص خارج على النوع، ويخلط بين الأنواع.
عباس
بيضون
منارة إستطاعت الإنزواء والتنسّك وسط الساحة العامة.
سمير عطالله
الشاعر الذي غيّرنا
وغيّر الشعر العربي لا يملك من صفات الشعراء "الكبار" شيئاً... إنه العاشق
الذي لا يزال ينتظر الحبيبة بقصيدة ووردة.
أمجد
ناصر
(...) والناقد العادي الذي تعوّد المقاييس التي هي غالباً جاهزة في
قناني رفوف صيدلية النقد الغبراء، يستحيل عليه أن يكتب شيئاً عن أنسي، سوى
الشتيمة. وأنا بدوري سأشتمه.
عاصم الجندي
(...) وقد إختار أنسي الحاج كلمة "لن" عنواناً لكتاب من الشعر المنثور, فقد
وجد في هذه الكلمة ما يعبّر عن رفضه للواقع وتمرده عليه. ومن أقوال هذا
الكاتب : "أرى الطوفان خلاص البرّ". إنه لا يريد سوى الخراب والهدم
الكامل للعالم الذي يعيش فيه (...) وبصرف النظر عن تفاهة ما في هذه الكلمات
من أفكار، إلا أنها تفوح مع ذلك برائحة وحشية تنبع من (...) نفسية قاتمة لا
ترى أمامها إلا القبح والحرائق والدمار والعفن.
القاهرة
– رجاء النقاش
أنسي الحاج، هل من المعقول أن تعثر على عقلك بعد أن جُنّ العالم؟
دمشق
– ممدوح عدوان
(...) ما " الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع" سوى كتاب
الحب الذي سيقرأه الجيل على أنه كتابه. الحب، فيه، مغنّى كما ولا أجمل،
ومغنّاة فيه قيم تنبع منه فتزيده توهجاً ومعمارية. ونتذكر أن قلم أنسي،
الذي من نار، هو معماريّنا الأمثل.
سعيد عقل
هذا "التتويج للمرأة" (في "الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع") كان
ممكناً أن يذهب في الإتجاه النقيض لرفضك الأول. رفض "لن" (1960)، بكل ما
يتضمّنه "تتويج المرأة" هذا من فرح وإيجابية، هل نقول إنك كتبته "عكس
الكلمة" (ص 70)؟ كلا، لأن كلمتك تحب ذاتها وهي تقول ذلك، وأنت تحبها. وإنك
على كل حال وجدت تناغماً سلساً، تناغماً كأنه صافٍ، يلتقي فيه النداء
الشهواني للمرأة والتقديس للعذراء – الأم. إنه، إذن، تجدُّد في وحيك، وفي
ثبات "الغربة" الثورية التي تطمح دائماً إلى "إحراق العالم بشمس العودة"
(ص88).
وإنه لحري ببلدك، وبالعرب عموماً، أن يصغوا إلى صوت الشاعر الذي يدعوهم إلى
إعادة توحيد ما جزّىء، وإلى الإستعانة بالوحدة ضد الإنقسام، علّ هذا الدفاع
عن الحنان يقنعهم, أو في الأصح، يُخْضعهم لعودتهم هم.
شكراً لهذا الكتاب الرائع، حيث عظمة الموضوع تتجاوب مع جمال الكلمة.
باريس- جاك بيرك
هذا الشعر لا يقرأ في المسافة التي تفصل المبنى عن المعنى.
أين نجد هذه المسافة؟
حتى الشاعر لم يجدها، فحاول أن يخترع أشكالاً ووسائط وكلمات، هو
الخائف الأكبر من شعره ومن ما قبل كلماته... مَكْرُهُ خوف وشجاعته خوف
وتوحّشه خوف وصُراخه خوف وصمته خوف وعشقه خوف وخيانته خوف.
وفي هذا الخوف ولدت تجربة تسمح لنا أن نمضي إلى ذاكرة الفضيحة
والعري ونأنس إلى المجهول.
الياس خوري
غريب أمر هذه التجربة في الشعر العربي الحديث، وغريب أمر هذه الأعمال
الشعرية التي أعادت طبعها "دار الجديد" (1994): فنحن نرى إلى الديوانيين
الأخيرين في الصدور الزمني (" ماذا صنعت بالذهب ..." و"الرسولة...") في
صورة إسترجاعية تعيدهما إلى زمن نشرهما الأول، فيبدوان "قديمين" في معنى
ما، فيما نرى إلى الدواوين الثلاثة الأولى فنخالها، على الرغم من صدور
الأول منها قبل خمسة وثلاثين عاماً، كما لو أنها خرجت دافئة مثل "هدية عيد
مغلَّفة"!
... نص يبيّن التعايش المتأزم، أو الشقاق، بين المعيش والمصاغ في
الكتابة العربية، أي هذا التناوب بين هواء الحياة المتغير دوماً ورسوخ
النمط "الكتابي" أي الأسلوبي- التقني على الشعر الحديث. هذا ما يفسر غربته
الدائمة وما يجعله صعب الوصول سواء في البلدان العربية أو في غيرها عبر
الترجمة. وهذا ما يفسر قربنا منه.
شربل داغر
|