|
يَسُوع المسيح: إحْضَرْ حَالاً!
لم نعد نريد أناجيلك.
لم نعد نريد أعاجيبك ومواعظك والحقّ
الحقّ
أقول لكم.
لم نعد نريد حكاياتك وأمثالك.
لم نعد نريد صلواتك وتهديداتك.
تعال.
احضرْ
حالاً.
الجميع بانتظارك والأهل والأقارب ليسوا في خير.
احضرْ
حالاً.
الأرض التي أنجبتك خربانة.
الجيران متدهورون.
روما الحديثة مسعورة وبيلاطس ملايين ويهوذا الاسخريوطي قوانين
والرسل الإثنا عشر أفلسوا.
"أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة أبني بيعتي" لكنهم بنوا على الصخرة
مؤسسة تلعب الرياح فيها بالأوراق والملفات والغبار والألفاظ.
أأنت المسيح صاحب قصة لعازر؟ إذن تفضّل.
الألفا سنة فاصل طويل. معنا ضعف نظر ولم نعد نراك.
المسافة شاسعة. اقترب وادخل. هذا وقتك. لن يكون لك وقت أفضل. إذ
لم تجئ الآن فلا تجئ بعد ذلك. الحاجة إليك الآن.
نريد أن نعرف.
نريد أن يقول لنا أحد ماذا نفعل، أين الحقّ،
لماذا نعيش، من هم هؤلاء ومن هم أولئك.
نريد أن يقول لنا أحد من نحن، ولماذا يضربوننا، ويكذبون علينا،
ويجوّعوننا، ويبّشعون حياتنا، ويهدرون مستقبل أولادنا، ويعهّرون الحياة
من بابها إلى محرابها.
نريد أن نعرف منك أنت مع من.
لقد سئمنا التراتيل والأناجيل ومتّى ومرقس ولوقا ويوحنا. وسئمنا
خصوصاً أعمال الرسل. وبولس. وبطرس. والرؤيا. وجميع القديسين.
وفلقونا بالأخ بابا نويل.
شكراً. شكراً لمجهودات ذوي النيّات
الحسنة والذين يحبون أن يزيّنوا
لنا الحياة في المناسبات.
ليس هذا المطلوب.
المطلوب واحد وهو حضورك. حضورك حالاً،
وكلّ
عذر لعدم حضورك مرفوض.
أنت مسؤول.
أنت المسؤول الأول والأخير فلا تقف في ظل الأناجيل.
قالوا انك ستعود.
شرّف.
تعال أخبرنا، تعال تكلم من جديد، تعال نقِّح أقوالك القديمة،
تعال أعد النظر في هذا العالم، تعال راجع ضميرك وأعمالك وأقوالك.
قل
لنا
أين الطريق. أعرف أعرف: "أنا هو الطريق والحق والحياة". لكنْ قديمة.
نريد غيرها الآن في ضوء الطرق اللانهائية المتداخلة، والحقوق التي لا
يُعرف سرابها من طغيانها، والحياة التي نعيشها بالحبوب والأقراص.
نريد أن نعرف موقفك من اليهود،
موقفك من اسرائيل،
موقفك من العرب،
موقفك من الغرب،
موقفك من الزنوج،
موقفك من الحب، والجنون، والطب، والعمل، والمال، والحرب،
والعائلة، والبابا، والعقائد، وموت الأطفال، والأمم المتحدة، والفنون،
والشعر، والجنس، ومسيحيي لبنان، وسوريا،
والأردن، ومصر، والسودان، والعراق.
الكلمة عظيمة. الكلمة الله. الكلمة أنت.
لكنْ قديمة.
نريدك "أنت".
جسداً وصوتاً، كما أنت، نازلاً من السماء، طالعاً من القبر،
آتياً من الجدار، أو منبثقاً من الماء لا فرق.
تعال.
الأمم مجنونة وبلهاء والشعوب مسحوقة وغبيّة
والزعماء يقتلون ويعبدون أنفسهم.
الكنائس تعيش على الذكريات.
الأديرة مهجورة.
الرهبان رهبان لأجل أنفسهم.
الصليب نجم سينمائي.
الأناجيل صارت كتاباً كجميع الكتب.
لا بد من حضورك.
اقطع أشغالك الحاليّة،
أجِّل ما تفعل الآن، انهض من بين الغيوم واترك كل شيء واتبعنا.
اتبعنا على الأرض.
احمل صليبك واتبعنا.
ذات يوم طلبتْ منك أمرأة كنعانية أن تشفي لها ابنتها المجنونة،
فلم تجبها، وقلت لتلاميذك انك أرسلت لخراف بيت اسرائيل وحدهم. فسَجَدتْ
الكنعانيّة
لك وقالت: "يا سيد أعنّي". فأجبتها: "ليس حسناً أن يُؤخذ خبز البنين
ويُطرح للكلاب" . فقالت لك: "نعم يا سيد، والكلاب أيضاً تأكل من الفتات
الذي يسقط من مائدة أربابها".
"الكلاب".
معك حق. لقد كَشَفْتَنا.
من أيامها ونحن كلاب.
لكن الكلاب أيضاً يا سيد "تأكل من الفتات".
عد إلينا.
نحن الكلاب أحوج إليك من أرباب المائدة لأن أرباب المائدة أكثر
توحّشاً
من هؤلاء الكلاب.
عد إلينا.
قل لنا مرّة
أخرى اننا نحن الكلاب وسنصدّق.
قل لنا عندما تجيء إننا لا نستحق وسنصدّق.
قل لنا أي شيء عندما تجيء وسنصدّق.
لكنْ تعال.
كلامك السابق سَبَقَتْه الأحداث.
نعم كلامك أبدي لكن الأبدية أيضاً تسبقها الأحداث.
لم نعد نريد الكتب.
لم نعد نريد سفراءك على الأرض.
لم نعد نريد اللجوء إلى الغيب والتجريد. نريدك بلحمك وعظمك.
أنت يسوع المسيح.
نريد أن نعرف.
أن نعرف كل شيء.
نريد أن نعرف منك أنت شخصياً، بكلام جديد، واضح، هادئ أو صارخ.
تعال.
الناصرة تنتظر.
بيت لحم تنتظر.
القدس تنتظر.
جبل الزيتون ينتظر.
الجلجلة تنتظر.
فلسطين تنتظر.
العالم كله ينتظر.
24 كَانون الأول 1967
حديقة حيوانات
مباحةً برّاً وبحراً وجوّاً
إننا نعيش في قلب
التناقض. حرب الخامس من حزيران فضحت إفلاس الأنظمة العربية، لكن غارة صغيرة على
مطار بيروت بدّدت
الوهم اللبناني.
القوّة اللبنانية وَهْم.
الحدود اللبنانية وَهْم.
التعاون اللبناني – العربي وهم.
الضمانات الدولية للبنان وهم.
الحكم اللبناني وهم.
الشعب اللبناني شعب بالوهم.
" تأييد" لبنان للقضية الفلسطينية و"عطفه" على الفدائيين الفلسطينيين، وَهْم.
ما هي الحقيقة؟
الحقيقة أن سياسة الدولة اللبنانية مبنيّة
على فلسفة الضعف والإستكانة من جهة،
وعلى
اللفظية الخطابية، الرتيبة والكاذبة من جهة أخرى.
مبنية على الجبن.
وإذا كان هناك شيء إسمه الرأي العام اللبناني،
فهو، في نظر
السياسة اللبنانية الحقيقية،
تافه، ساذج،
يقال له أي شيء فيصدق،
ولا حساب له إلا عندما تريدالسياسة اللبنانية إفتعال حادث طائفي،
فتدغدغ غرائز الرأي العام وتسوقه كالقطيع. السياسة اللبنانية الحقيقية
تعتبر أن الشعب اللبناني،
الذي تتظاهر بالتفاني
من أجله،
هو، في الواقع،
شعب مسطول.
تدّل على ذلك إنهبال هذا
الشعب بزعمائه المتاجرين
به.
تدّل على ذلك غارة
المطار.
يدّل على ذلك كل شيء.
* * *
لا هجوم؟ طيب!
لا دفاع؟
لماذا؟
حتى المسيح لم يقصدها حرفيّاً حين قال من ضربك على
خدَك الأيمن أدر له الأيسر.
كان يمزح.
كان يبالغ.
ولو!
أين صيّادو
الورْورْ والحجل ودجاج الأرض؟
أين أعضاء
نادي صيد الحمام في فرن الشباك؟
لماذا
لم يكونوا في المطار؟
إستمر الإحتلال ثلاثة أرباع الساعة،
كان معهم كل الوقت ليحضروا لماذا لم
يحضروا؟ شاطرون على الطير؟
لمن تتركون
الطائرات؟
للشعب الأعزل؟
المرّة المقبلة لا تتركونا
في بحر هائج.
لا تتركونا
في مطار سائب.
لا تتركونا وحدنا
وتذهبوا وراء العصفور.
إستحوا على طولكم!
* * *
إننا نعيش في قلب
التناقض.
حرب لا حرب. هدنة لا
هدنة. سلم لا سلم. هجوم لا هجوم. دفاع لا دفاع.
قيل في الجلسة السرية لمجلس النواب كلام عنيف. لكنه كلام وصفي للحالة.
جيد، لكن المطلوب
حل.
حل السياسة اللبنانية
المبنية على الدجل.
حل لبنان الحاضر.
المطلوب هو أن نعرف
بوضوح لبنان هو مع ماذا وضد ماذا.
مستحيل
أن يستمرّ هذا التناقض.
أن يصيح
عبدالله اليافي يعيش الفدائيون
وأن تعتقل حكومته الفدائيين وتلاحق رؤساءهم وتكافحهم.
مستحيل أن
تتنصّل الحكومة
من الفدائيين ومع ذلك تحتل إسرائيل مطار بيروت لأن الحكومة تتبنى
الفدائيين.
تتنصّل
منهم أو تتبنّاهم؟
مع إسرائيل أم ضدها؟
إذا معها لتقل ذلك!
إذا ضدّها
لتمتنع عن قول ذلك ولتستعض عن الكلام الفارغ بإمكانات تتيح لها بالفعل
الوقوف ضد إسرائيل. نريد أن نعرف. عندما نعرف يخفّ العذاب،
ووطأة الإهانة،
ودويّ الصفعة.
أو اللبطة.
هل نحن مكشوفون سائبون تحت رحمة الغزاة؟
إذا كان كذلك نريد أن تحمينا دول أخرى.
نريد ان يحمينا العرب.
فقد ظهر أنهم،
رغم كل فضيحتهم الرهيبة،
أشرف منا!
* * *
هناك ايضاُ
سؤال يتعلق بالأولاد. هؤلاء لا أحد يفكر فيهم مع أنهم يفكرون فينا.
يقول الولد لأبيه:
- ليش ما ردّينا؟
يقول الولد لأبيه:
- ما كان في حدا؟
يقول الولد لأبيه:
- نحن عرب أو إسرائيليين؟
يقول الولد
لأبيه:
- نحن ما عملنا شي, شو بدن
فينا؟
يقول الولد
لأبيه:
- طالما هيك وهاجمونا, ليش ما منهاجمن؟
يقول الولد لأبيه:
- شو إسمه رئيس
الجمهورية؟
* * *
شمتنا كثيراً بالعرب.
الآن لنذهب إلى بيوتنا.
لنسبق الآخرين ونشمت بأنفسنا.
لنسبق الآخرين ونضحك من أنفسنا.
لنسبق الآخرين ونصارح أنفسنا.
إتضح أننا
نعيش في حديقة حيوانات طائفية.
حديقة حيوانات
باستثناء الخضرة والترتيب.
حديقة حيوانات مباحة
لجميع الراغبين براً
بحراً
جواً.
ولا تمارَس
فيها المرجلة إلاّ على السكان المساكين،
فيمنعون من التفكير ويمنعون من الكلام ويمنعون من الحرية.
وإذا رفع
أحد صوته ضربوه على قفاه،
أو حاربوه في رزقه،
أو جعلوا حيواناً
آخر في الحديقة يفترسه.
حديقة حيوانات تعيش بسلام مع الأعداء الخارجيين، لتنصرف بكل قواها
إلى الإرهاب الداخلي.
* * *
إننا نعيش
في قلب التناقض وإننا نريد
الخروج منه.
نريد أن نعرف ماذا نريد وأن نضمن تطبيق ما نريده.
إذا كنا
نريد السلم فلنطبّقه
وإذا كنا نريد الحرب فلنكن قادرين عليها.
هذه هي المسألة.
ما عداها خلْط.
لقد سقطت بعد فضيحة الغارة الإسرائلية آخر الخرافات المتبقية.
ومهما فعل الحكم بعد الآن فلن يجعل الكذب محل الحقيقة.
لقد نسفت
الطائرات الإسرائيلية المطار ونسفت الوهم.
نسفت الكذب.
لقد أفلتت الحقيقة.
5 كَــانون الثَـاني 1969
|