English | French |Arabic

 

        طرد القصيمي خيانة عظمى

 

          إننا نحتجّ على ترحيل عبد الله القصيمي.

          إننا نعتبر ترحيله نفياً ونعتبره طعناً بكرامة كل كاتب في لبنان.

          لم يفعل القصيمي شيئاً. أفكاره موضوعة في كتب، والكتب يجاوَب عليها بكتب.

معاملة الكاتب بالتدابير البوليسية تصرّف جبان.

          كان لعبدالله القصيمي الشجاعة لأن يقول في كتبه رأيه بصراحة في مؤسسات وأوضاع ووراثات عربية.

          وعلى من له رأي مخالف أن يظهر رأيه بأسلوب مماثل. نحن في مدينة ولسنا في غابة. نحن دولة ولسنا عصابات.

          اننا ندعو رئيس الجمهورية إلى الاهتمام بهذه القضية. نطلب منه أن يحقّق بشخصه ليعرف من أصدر الأمر بإخراج الكاتب السعودي، ولماذا، ولماذا لم تنفع المساعي التي بذلت للرجوع عن قرار إبعاده.

          قيل إن القصيمي أُبعد لأنه كان يقوم بنشاط سياسي. نحن واثقون أن هذه تهمة ملفّقة، وأنها حتى لو صحت فلا تعني شيئاً. تسعة على عشرة أشخاص في لبنان، لبنانيين وأجانب، يقومون في كل مكان بنشاط سياسي.

          وقيل أيضاً إن القصيمي أُبعد لإنقاذه من مؤامرة كانت تدبر لاغتياله على أرض لبنان، وان السلطة أرادت أن تخدمه بترحيله. نحن واثقون أن هذا العذر حجّة. وحتى لو كان صحيحاً فإن جواب الكاتب السعودي كان، بالحرف، كما أعلنه لي: "قلت للمسؤولين عندكم إني أفضّل أن أُقتل في لبنان على ان أُقتل خارج لبنان. توسلت إليهم أن يتركوني أبقى. قلت لهم: لبنان هو الشاطئ الوحيد والأخير في هذه الصحراء. لكنهم لم يسمعوني".

          القصيمي مطرود والسياسيون لا.

          القصيمي، هذا النحيل كالقصبة، هذا العظم الشعري الموجع، هذا الضمير العاري الذي ينعصر  له القلب، القصيمي محروم الإلتجاء إلى لبنان، والقَتَلة، الحشرات، الجواسيس، مدبرو البغايا، تجّار الرقيق الأبيض، جرذان المؤامرات ومرتزقة الاغتيالات وخُدّام شبكات التهريب والدعارة، يسرحون في لبنان ويمرحون.

          إننا نعتبر ذلك خيانة وطنية.

          نحن نعطي السياسيين حق اللجوء ونأوي الجميع. مَن أحق بالحماية والحرية: سياسي يحترف الكذب أم كاتب يصارع الكذب؟

          نحن بلد لا يعني شيئاً خارج بضع قيم أخلاقية وروحية، قيم الانفتاح والرحابة والحرية والترحيب بتعايش الأضداد والمتناقضات واللجوءات. كانت قيمتنا الأساسية أننا غير عدائيين، ولكننا في الوقت نفسه غير مشلولين بالخوف، نسبياً، من حرية التعبير. لقد طردنا عبد الله القصيمي، المطرود من كل البلاد العربية، لأننا خضعنا للخوف.

          هذا معناه أننا صرنا أسوأ من السجن.

          طرد عبد الله القصيمي هو طرد للكاتب اللبناني.

          هو تجديف على أقدس الحقوق والرموز والقِيَم.

          هو اعتداء على تراثنا العريق في الحرية.

          هو خيانة عظمى.

          عبد الله القصيمي سافر إلى القاهرة ليختار الملجأ وليبحث عن الحماية.

          القاهرة تعطي الكاتب الحرّ ما تمنعه عنه بيروت!

          من سمح، في بيروت، بهذه الجريمة؟ لأي سبب؟ تحت أي ضغط؟ بأي ثمن؟

          إننا نحيّي القاهرة تحية الحب ونمنحها ولاءنا. لم يعد لبنان بيت المضطهدين.

          لقد فقد هذا الشرف. تنازل عن كبريائه. سقط سقوطاً معيباً.

          نحن بعد الآن مصريون بقدر ما القاهرة تفتح حدودها للمطرودين من بلاد الخوف.

          نحن الآن نعيش في بلد الخوف.

          نحن الآن مواطنون في دولة اختارت أن تطرد الكتّاب الأحرار لأنها لم تستطع أن تتحمل شجاعتهم ونظافتهم.

          نحن الآن في السجن.

          ... كنا فيه قبلاً ... ولكنْ كنا حَسِبْنا أننا بدأنا ننساه!

        16 نيسَان 1967

 

       لا يهمّنا شيء

 

لا يهمّنا  الوطن. لا تهمُنا الدولة. لا يهمنا المستقبل.

لا يهمّنا المجتمع اللبناني ولا أي مجتمع آخر.

لا يهمّنا الإقتصاد، لا تهمنا السياسة.

لا يهمّنا التخطيط.

ولا التربية ولا التعليم.

لا يهمّنا رفع مستوى المعيشة.

لا يهمّنا النظام ولا السلام ولا السلامة العامة.

لا يهمّنا الإزدهار ولا الإشعاع.

لا تهمّنا الحرّيات.

لا تهمّنا الطائفية، لا تهمّنا الطوائف، ولا العلمنة.

لا يهمّنا أحد.

لا تهمّنا الحقوق ولا الواجبات.

لا تهمّنا الفنون ولا الآداب ولا العلوم.

لا يهمّنا الطلاّب ولا العمّال ولا الناشئة.

لا يهمّنا المغتربون.

لا يهمّنا السجناء، لا يهمنا المحرومون.

لا يهمّنا المظلومون.

لا يهمّنا العدل.

لا يهمّنا الحق.

لا يهمّنا الخير.

لا يهمّنا شيء.

من وقت إلى وقت، نتظاهر بالإهتمام. ننساق مع التسلية. ولكنْ في الواقع لا شيء يهمّنا.

نحن ابناء بلد بلا قضية، نحن مواطنو الإهدار والسخافة.

نعيش في محرقة، نأكل بعضنا البعض، تافهون، منافقون، لصوص.

نحن أرض جرداء، السماء تعطينا المطر غيظاً، والشمس تشرق علينا لأنها تحب العذاب.

نحن بلد لا قيمة فيه. نحن شعب بلا قيمة.

الجواب: كيف؟ نحن موطن الحريات ، ملجأ المضطهَدين، ورثة المتوسط، ملتقى الشرق والغرب، تعايش المتناقضات، إلخ...

جواب الجواب: لا.

نحن بنك، وكازينو، وشركة طيران، وسمسرة، وعمولة، وتهريب.

نحن عَلَم من أعلام الإنحطاط.

وكل هذا لا يهمّنا.

لا النواب ولا الحكومات ولا الأحزاب ولا الشخصيات ولا الزعماء ولا المفكّرون ولا الزعران.

كل هؤلاء لا علاقة لنا بهم.

لا هُمْ ولا أخصامهم.

لا يهمّنا الموالون ولا يهمّنا المعارضون.

لا يهمّنا الماضي، لا يهمّنا الحاضر، لا يهمّنا المستقبل.

هذا ليس كفراً. إنه احتقار.

أنا لبناني يعلن احتقاره لنفسه، واحتقاره لغيره، واحتقاره لجميع الأشياء.

أنا لبناني يصرخ شقاءه بأن تكون حقيقته "هذه" الحقيقة المعمول بها في لبنان، وحدود يقظته "هذه" الحدود المفروضة في لبنان، ومعناه كإنسان "هذا" المعنى الإجباري، المحروسة ضآلته بالقوة.

أنا لبناني وطنه الوهم، والشتيمة، واليأس.

لا يهمّني شيء، ولا يهمّني أحد.

لقد سلبوني مبرراتي وقايضوني بالمستعار.

قايضوني بالإصطناعي والزائف.

حتى السجن لم يعد الذهاب إليه شرفاً.

حتى الموت استشهاداً لم يعد شرفاً.

حتى التمرّد لم يعد اللجوء إليه شرفاً.

حتى الصمت لم يعد ممكناً في هذه الأرض الطافحة بالجعير, الدافقة بالأوساخ , العامرة ببيوتها القبيحة.

ليس في لبنان شيء حقيقي.

حتى المجانين لم أعد أصدّق أنهم حقاً مجانين.

حتى الموتى يخيل إليّ أنهم يموتون بشكل مستعار.

الحقير في لبنان ليس حقيراً أصيلاً والكبير ليس كبيراً أصيلاً.

الشوارع تفيض بالفراغ والفراغ  يدور على الخبث.

ولا نفع من الهجرة، ولا نفع من السفر، ولا نفع من الفرار.

لعنة لبنان تكبسنا في الدم.

القرف والعار، ولا شيء يقتل كالعار.

نحن شعب رخيص. ليس فينا رأس واحد يستحقّ المشنقة.

ليس فينا رجل واحد ينتحر من أجل رأي، ينتحر من أجل حقيقة، ينتحر من أجل حبّ.

علّمونا غريزة الغباوة، علّمونا غريزة التفاهة، علّمونا غريزة البقاء الحقير الأبرص، رفعوا لنا دعارة الضمير إلى مستوى العقيدة.

أعتذر من القلائل الذين يستثنون أنفسهم، ومن القلائل الذين أستثنيهم، فإنني أنساهم وأنا أنظر إلى القطيع الكبير.

أنساهم لأنهم في الحقيقة غائبون.

الحاضر في لبنان هو الذي لا يهمّنا.

لا تهمّنا السياسة المحلّية، ولا تهمّنا السياسة الخارجية.

لا يهمّنا الوعي.

لا تهمّنا الديمقراطية، لا تهمّنا العدالة الإجتماعية، لا تهمّنا الإشتراكية، لا تهمّنا الشيوعية، لا تهمّنا القومية، لا تهمّنا الوطنية، لا تهمّنا الحدود، لا يهمّنا الكيان، لا يهمّنا القلق على المصير.

لا يهمّنا التاريخ.

لا يهمّنا الجواسيس والعملاء والمناضلون.

لا يهمّنا التحرريون والمحافظون والتقدميون والرجعيون.

لا يهمّنا الأيتام ولا الأبطال.

لا يهمّنا الفنانون ولا رافعو اسم الوطن.

لا يهمّنا العصاميّون ولا الوارثون ولا متوسطو الحال.

لا يهمّنا اليمين ولا اليسار.

لا يهمّنا البحر الأبيض المتوسط.

لا يهمّنا ما يسمح لنا قانون النشر بتسميته، ولا يهمّنا ما لا يسمح لنا قانون النشر بتسميته.

لا يهمّنا شيء، ولا يعنينا شيء وسط هذه الحياة التي لا تستحقّنا.

أتكلم بصيغة الجمع لأني أحس أني بضعة أشخاص، حتى أكون أكثر من واحد فتشتدّ قوّة احتقاري.

ولا يهمّني احتقاري.

ولا يهمّني ما قد يقول أولكم عني وآخركم.

أنا وراء المقلب الآخر من الأشياء، لا يصيبني أحد.

وأنا أرى نفسي أكبر من كلّ شيء، أكبر من الجميع.

ولا يعرف أحد، كما أعرف، ان الجحيم أكثر من كلمة.

            23 نيسَان 1967

 

 

 

سمعتُ قرأتُ لم أفهم

 

أنا مواطن لبناني لم يفهم شيئاً مما حصل.

لم أفهم لماذا وقعت الحرب في 5 حزيران ولم أفهم لماذا توقفتْ.

سمعت كل الأخبار وقرأت الصحف ولم أفهم شيئاً.

لم أفهم لماذا هناك دول عربية حاربتْ ودول لم تحارب.

أنا مواطن لبناني لم يفهم شيئاً مما حصل.

إني أحترم الآراء التي يبذلها أصحاب الرأي لشرح المسائل، ولكنْ لماذا كل صاحب رأي يغيِّر رأيه بعد قليل من عرضه بحماسة؟

كل واحد يقول أي شيء.

كل واحد عنده الخبر اليقين.

الأمور واضحة تماماً.

الجميع يعرفون كل شيء ومعجبون بأنفسهم.

أنا مواطن لبناني لم يفهم شيئاً مما حصل.

سمعت أن هناك قتلى قُتلوا، جرحى جُرحوا، سكاناً طُردوا.

سمعت أن هناك أراضي احتلتها اسرائيل.

          سمعت أن الحرب ماضية حتى النهاية، و سمعت أن الحرب توقفت.

لماذا؟ لم أفهم.

و سمعت أن العرب ذهبوا إلى الأمم المتحدة وتجاذبوا مع ممثلي العالم أطراف الحديث.

سمعت كل ما يمكن سماعه من أول النهار إلى آخر الليل.

ولم أحفظ من كل هذا غير أن قتلى قُتلوا وجرحى جرحوا وسكاناً طُردوا وأراضي احتلتها اسرائيل.

أنا مواطن لبناني يعيش على المعاش ولا يعرف ماذا يجري في رؤوس الزعماء وخلف الكواليس.

لا أعرف غير الأمور الملموسة.

لم أفهم لماذا منذ عشرين سنة ونحن ننتظر، وإذا الانتظار ينتهي بانتظار.

لم أفهم ماذا كان يفعل منذ عشرين سنة أولئك الذين كلَّفتهم الدول العربية من مال الشعوب العربية الدفاع عن قضية فلسطين وشرحها للرأي العام العالمي.

لم أفهم لماذا كانت اسرائيل منذ عشرين سنة تشتري التأييد بالمال في أوروبا وأميركا وغير أوروبا وأميركا بينما ملايين بعض الدول العربية الغنية تُرمى من الشبابيك.

لم أفهم لماذا لم يتحمس المئة مليون عربي من أجل فلسطين إلا في اللحظة الأخيرة وبعد فوات الأوان.

لم أفهم لماذا كان العرب أعداء بعضهم البعض ما دام ليس لهم، كما قالوا، غير عدوّ واحد مشترك.

لم أفهم لماذا لم تتضامن الدول العربية من قبل ما دامت استطاعت أن تتضامن بضعة أيام.

لم أفهم.

لا بد أن يكون هناك مواطنون مرموقون يعرفون كل شيء أو أشياء كثيرة.

حظهم كبير.

أنا مواطن لبناني غاطس في الجهل.

مسكين ذلك الذي سوف يكتب تاريخ هذه المرحلة من حرب العرب واسرائيل.

سيلتفت وراءه فيجد كميات هائلة من الحقائق فيمسكها فلا يبقى بين يديه شيء.

أين يبدأ كيف يبدأ على من يعتمد أين الحقيقة؟

حقيقتان أكيدتان لن يتردد مؤرخ المستقبل في تدوينهما:

الحقيقة الأولى أن قتلى قُتلوا وجرحى جُرحوا وسكاناً طردوا وأراضي احتلتها اسرائيل.

الحقيقة الثانية هذه الكلمة لنيتشه: " تقولون إن القضية الجيدة هي التي تجعل حتى الحرب مقدسة؟ أقول لكم: إنها الحرب الجيدة التي تجعل كل قضيّة قضيّة مقدّسة ". وسيتعذب عذاباً مريراً مؤرخ المستقبل في تدوين الفصول الأخرى .

وبعد، لم تعد فلسطين هي وحدها القضية. أصبحت القضية هي العرب كلهم.

مستقبل العرب.

عقلهم، روحهم، شجاعتهم، أخلاقهم، قيمتهم.

النار التي اندلعت في الخامس من حزيران 1967 هي النار التي في ضوئها يتقرر مصير العرب. لا بالنسبة إلى اسرائيل بل بالنسبة إلى ما هو أهم: بالنسبة إلى أنفسهم.

]مراقبة عسكرية[

 

          سمعت في دمشق، يوم  قصدتها من أسبوعين مع بعض الكتّاب والفنانين، كبار المسؤولين ينتقدون أنفسهم.

          ينتقدون أساليب الماضي الخطابية، والتهريج، والعاطفية السخيفة، والجهل. وبدا لي أن الهزيمة لم تذهب إهداراً.

]مراقبة عسكرية[

الإنتقاد الذاتي، كما سمعت نماذج عنه في دمشق، بداية الرجوع.

]مراقبة عسكرية[

شرط أن يستمر الإنتقاد الذاتي ويتعمّق، بمزيد من الشجاعة والإخلاص.

]مراقبة عسكرية[

لا بد أن يقود هذا الأسلوب في المواجهة والصراحة العالم العربي إلى الحياة.

شرط أن يكون انتقاد الذات مرحلة موقّتة للتهدئة.

]مراقبة عسكرية[

بل أن يكون خبرة حيّة فاعلة تتحول قاعدة للمجتمعات والأوطان.

الخلاصة أنه يجب أن ننتظر من جديد.

لكن محط الإنتظار لم يعد فلسطين وحدها.

عشرون يوماً، عشرون شهراً، عشرون سنة جديدة؟

ليس هذا هو المهم.

المهم أننا الآن لم نعد ننتظر فلسطين وحدها.

إننا ننتظر مصير العرب.

2 تَمّوز 1967

 

                                           1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11