|
English | French |Arabic
قل،
ماذا رأيت؟
لامرأةٍ
عينان عاليتان عميقتان، تشرفان عليّ وتستأصلانني.
لامرأةٍ
عينان رأيت الأشرعة وما رأيت مثلهما.
لامرأة
عينان مشرقتان غائبتان، تقولان الرمل والدخان، تقولان الحلم ودماره.
لامرأة
عينان أصغيتُ إلى الاعترافات، وما سمعت عنهما.
لامرأة
عيناها.
لامرأةٍ
عينان بحريتان بريتان، تتنزه بهما دون انتباه على شوار الحب، وكل ما تقع
عليه عيناها يسقط دون انتباه في البداية.
لامرأةٍ
عينان طاهرتان قاتلتان حافيتان على رؤوس الغمائم...
12 حزيران
1966
كان يكسر الماء
كان هدّاماً
قبل أن ينهدم.
كان يهجم كالنسر، وحتى النسيم يتفجّر في قبضته. لم يكن يكسر الزجاج. كان يكسر الماء، والقطن،
والحجر، والوحل، والأيدي الخفيّة. لم يستطع أحد أن ينتزع من جناحيه ريشة.
وهوى.
زحف عليه الخوف، فوق الخوف،
فوق الخوف.
نَخَرته الشفقة.
احذروا الحنان! لا تتركوه يلتف عليكم!
أيها النسر! ثمّة
وردة تنتظرك دائماً، احترس أيها النسر!
12 شـــبـــَاط 1967
لم
نكن ننتظر ...
بانتظار غودو يتكلم صموئيل بيكيت ليقول فشل الكلام. ليس
عند الإنسان ما يقوله، وإذا
ينتظر، فلن يجيء أحد.
وكلما طال الحوار في "بانتظار غودو" اتسع الشعور بالفراغ. كل
كلمة هاوية. كلمة وراء كلمة
انحلال
وراء انحلال.
وفقدان أمل يبدأ خفيفاً ثم يتضخّم.
ويروح فقدان الأمل ويجيء في المسرحية كالمد والجزر. وفي مرحلة الجزر، ولأن
الجزر يوقف نزف اليأس موقتاً، يبدو ذلك "كأنه" الأمل. لكنه فقدان الأمل وقد
نام قليلاً استعداداً للنهوض من جديد.
عدم اليقين سيد. قال أول مخرج اميركي ل"بانتظار غودو"، قال
لبيكيت من هو غودو وماذا يعني فأجابه: "لو عرفت لقلت ذلك في المسرحية". ولا
بد من الاعتراف بأن هذا حقيقة ولو خيّل إلينا أنه من أجوبة المزاج.
فلاديمير واستراغون المتشردان اللذان ينتظران شخصاً يدعى غودو
لأنهما يظنان أنهما على موعد معه، هما صموئيل بيكيت. ليس في المسرحية عقدة.
انها أبدية من الصمت يملأه المؤلف بكلام أغلب الظن أنه الكلام الذي يقطع
به صمت حياته الشخصية في الواقع. لا يعرف لماذا قال هذه العبارة ولم يقل
غيرها ولا يعرف أين ستقوده ولا ماذا يقول بعدها. حوار طرشان؟ أو حوار غير
طرشان مع محدثين هم الطرشان وأمام عالم هو الأطرش.
ومن هو غودو ليس مهماً. قيل هو الله. ربما. انه على كل حال ذلك
الذي ينتظره إنسان، الذي ينتظره الإنسان. أي منتظَر كان. فهناك دائماً ما
ينتظره الإنسان. الفرق هنا هو أن الانتظار يتواصل ولا أحد يأتي.
العجز. العجز البشري عن قهر الواقع. عن قهر الوحشة والفراغ. عن
قهر الخوف. ولو ان الإنسان يستسلم لهذا الشعور بالعجز ويعترف بأنه لن يقدر
أن يغيّر
الوضع، لربّما كان يغيّره. لكنه غير متأكد تماماً أنه عاجز تماماً. لذلك
يظل ينتظر. لذلك يتبطّن
عجزه بالخيبة. لا بالأمل، إنما بالخيبة. انه يظل ينتظر لا لأنه على رجاء
إنما على عدم يقين.
وخلال ذلك يتحدث أشخاص المسرحية بكلام فاقد الملامح، ينغلق دونهم
أكثر فأكثر، "ينساهم" أكثر فأكثر. ويتحركون، لكنهم يتحركون بشكل يظهرهم
متعلقين بأوهام، يظهرهم فاقدي الكرامة.
ويبدو فلاديمير واستراغون كاللصين اللذين أشار إليهما فلاديمير
في بداية المسرحية، اللصين اللذين صُلبا مع المسيح. واحد أخذه الخلاص وآخر
أخذته اللعنة. إذا كان غودو هو الله فمن من فلاديمير واستراغون سيأخذه
الخلاص ومن ستأخذه اللعنة؟ هناك أمل إذن. أمل بأن يكون غودو هو الله. لكن
هذا الأمل ينجب التفرقة، ينجب اللاثقة، ينجب القلق والغضب واليأس. يقتل
الأمل. ان الوعد بالمجيء ينخر الانتظار.
الوعد بالخلاص يهدم الطمأنينة.
الوعد بالخلاص كالتهديد الدائم بأن لا يتحقق الوعد.
من هو قايين بين فلاديمير واستراغون ومن هو هابيل؟ اليقين!
اليقين! لا وجود له. بوز
ولاكي، السيد والعبد، تعرفا على فلاديمير واستراغون في الفصل الأول، ثم في
ما بعد لم يتعرفا عليهما. الغلام رسول غودو يتعرف عليهما في البداية، لكنه
عندما يعود، ينكرهما. وقد نقول ان فلاديمير واستراغون هما، على الأقل،
يتعرفان بعضهما على بعض، لكنهما شخص واحد. انهما الوجه والقفا، انهما وجه
الانتظار وقفاه، ولو لم يكن هناك غودو المربوطان بانتظاره لانفصلا.
*
* *
الحياة عادة.
يفيق الإنسان من هذه العادة حين يوقظه وجع الشعور بأنه موجود. وعندما يجتاز
محنة هذا الشعور يعود فيرتمي في سأم العيش.
وحتى لا
تدركهما اليقظة، حتى لا يدركهما
الوعي، يتسلى فلاديمير واستراغون بالكلام. الكلام هنا ضد الفكر. ويتكلمان
بلا معنى لكي لا يعودا ويتذكرا أنهما فكّرا،
أنهما تكلما كلاماً له معنى. الكلام الذي له معنى، عندما نتذكره، ينبهنا
إلى أننا موجودون. وعي هذا الوجود لا يسبب غير الألم.
" قل أي
شيء!" يصرخ فلاديمير وقد خنقه القلق. يريد أن
يهرب مما لا يستطيع
أن يهرب منه. لذلك فالكلام ضروري. حيث يكون الشعور بالعبث يتحتم أمر آخر
للهرب من الشعور بالعبث. ولكن حتمية هذا الأمر الآخر تعود فتنجب حتمية
الشعور بالعبث.
والذي لا
ينتحر، الذي يرضى بالعيش، لا بد أن يعتاد هذا التواتر، هذا النظام.
الحياة عادة.
الرضوخ لها عادة. التمرد عليها عادة. " قل أي شيء!" تصبح عادة. انتظار
الخلاص، انتظار النعمة يصبح عادة. تكرار الانتظار يصبح عادة. الأمل بتحقق
الوعد يصبح عادة. خيبة الأمل تصبح عادة. وتصبح العادة هي الليل وهي النهار،
هي المفاجأة وهي عدم المفاجأة، هي الوجه وهي القفا.
يقال الكثير عن مسرحية بيكيت. انها مليئة بالأسرار
المفتوحة على المطلق ولكن لا يمكن تفسيرها تفسيراً واحداً محدّداً.
الأسئلة التي يطرحها بيكيت هو نفسه لا يملك الجواب عنها. لذلك فنحن لا نملك
غير "أجوبتنا" نحن. لبيكيت غودو ولكل من جمهور مسرحيته غودو. مسرحية مذهلة،
ومزعجة، وتعسة، ومرعبة. انها أهم ما كتبه وبدونها لا يكون مسرح القرن
العشرين قد كان ما هو.
* * *
لم
يكن أحد ينتظر أن يصل شكيب خوري إلى إخراج "بانتظار غودو" بهذه البساطة
التي بنت لها جسراً أميناً إلى الجمهور. كان إخراجه متواضعاً، عاقلاً،
إيجابياً. ربما فاته أن يبلور حركة الانحلال والتلاشي الآخذة في التفاقم
فصلاً بعد فصل، وربما لم يركز تركيزاً كافياً على تواتر الشعور بالعبث ثم
الشعور بالحاجة إلى الهرب من العبث، وغير ذلك من الأبعاد الميتافيزيكية.
غير أنه أتاح لنا، بترجمة عصام محفوظ التي بلغت فهم الجميع، أن ننظر إلى
عالم بيكيت من زاوية
إخراجية لم تجفّل النظر.
ولم يخنه، في إخراجه، أحد من الممثلين. وكان هو وروجيه عساف في دور
فلاديمير واستراغون كمتبارزين من أساتذة السيف.
19 شـــبـــَاط 1967
لي حبيبة .
. .
لي حبيبة يا
صديقي، نام بها الشتاء وأفاق فتّياً، كمجهول قادم من الزهد صوب النار، خالعاً أقفال الاقتصاد
والعزلة، يركض كقطعة الذهب المدوّرة
إلى مساء الهَمّ وفجر الطيبة.
لي حبيبة ما إن اكتشفتها الأناشيد حتى فقدتْ أثرها.
لي حبيبة يا صديقي أحبّها لأني ما كنت أحسب أنها ستحبني.
لي حبيبة تتكرر كالفعل، والفعلُ نسيان وعذراء.
لي حبيبة تتّحد
بي فهل اختبئ منها؟
لي حبيبة
بيضاء كصحو الأرض، وعندي متحف وأنا محافظ على وجوه حبيبتي، أنوّرها بالرضى،
وبالخصام امنحها الجمال.
لي حبيبة
ترافقني بأمانة تأخذني باستقامة من طريق إلى طريق في بلاد العذاب.
لي حبيبة، يا صديقي، وليس لك حبيبة.
* * *
وتضحك وتقول لي: أنت تخترع صفات الحبيبة!
وتغضب وتقول لي كلام النضج والحكمة، كلام الرجال
والخبرة.
ويشتد غضبك وتقول لي: أي حب هذا؟
ويشتد غضبك وتقول لي: أنت تضحك من نفسك! ولدٌ أنت! كل
النساء زانيات، فلنرض بهذا! الخيال شيء، والواقع آخر، فلنواجه الواقع حتى
لا تصرعنا الخيبة!
ولكنك مخطئ يا صديقي، بنسبة ما أنت محق، بنسبة ما أنت
خائف...
* * *
لنا الحب يا صديقي، وليس لغيرنا. نحن
ملهوفون، وما فينا من الثعالب غير لطافتها. ولو لم نكن عشّاقاً
لكنا محابيس الأديار، ومبشّري
الأديان، وأنبياء المنفى. روح الزنابق نحن يا صديقي، ونحن وحدنا في الحب.
والعصافير أَفْعَلُ للشر منا...
* * *
نحن نقول: الإخلاص وَهْم، البراءة سراب، الخرافة
خرافة، فلنعترف أن الحب ليس الحلم، ولنخرج من الطفولة.
لكننا منافقون.
لأن النجمة التي في السماء هي النجمة التي في القلب.
لأن النجمة الذي في السماء هي القمر الذي في القلب.
لأن البياض الذي في الطبيعة هو لون صفائنا.
نحن في قرارة أنفسنا نؤمن بالحب القديم، الحب
الرومنتيكي، الحب الفائض عن الصفات، لكننا نسفّهه لأن العالم حولنا يسفهه،
فيجعلنا نبدو أقلية مضحكة.
لقد سحق العالم العفوية، فأَرعبنا. نحن نعرف أننا
ضعفاء، أننا مشقوقون بالعواطف مريضون بالجمال، لكننا نُظهر اللامبالاة
والخشونة لأننا نخاف الهزء والفضيحة.
كم نحن جبناء، وكم نحن خَوَنَة يا صديقي!
* * *
تقدم خذ شجاعتك، ولنطلق على هذا العالم
رصاصة!
كما لا شأن لنا بجزء مجتزأ من الحياة كذلك لا شأن لنا
بجزء مجتزأ من الحب.
إمّا نفتحه للنهاية كالأبواب أو نغلقه للنهاية
كالأبواب.
بالجنس والروح نسدّده،
بالجنس والروح. للجنس تنحني الجبال، للجنس تتشنّج
الجبال. للروح أيضاً.
وإذا لم نجد المرأة فسوف نجدها.
وإذا لم نجد المرأة فسوف نخاطبها فتجيء.
كالماء ينقطع من البئر
كالماء يعود إلى البئر...
* * *
لنا حياة
وليس لنا غيرها. وإذا لم نضطرب بالحب فمتى نصنع ذلك؟
لنا حبّ
وليس لنا غيره. إذا احتقرناه فأين نحمل مجدنا؟
أين هي الآن ضحكات التهكّم وشتائم الذين تهكَّموه وشتموه؟
سقطتْ
كالحجارة من أعالي القمم، وما اتكأتْ عليها فراشة.
لنا حياة وليس لنا غيرها يا صديقي.
* * *
إذا أكون
واعظاً اتنقل من صقع إلى صقع، أجعلهم يئنّون في حشود الساحات، ينشجون كالخاسرين أموالهم، يسترحمون
كالمحروقة ديارهم، يصرخون كالمنقوعة أقدارهم في اللعنة،
إذا أكون رسولاً، كلامي كأغصان يتدلّى
على القلوب، إذا أكون مبشراً فماذا بغير الحب؟
أليست الشمس فيه والبحر؟
أليست القوة والماضي والميلاد والجلجلة؟
كنت في ما مضى أظن لديّ الوقت
كالبلبل أتوجه بخفّة.
كنت أعاطش العطش وألاعب الألعاب
لأني كنت أظن لديّ الوقت.
لكني أرى كلامي يتقدم سريعاً ويسبقني
ويجب أن أركض وراء النار ان لم تنطفئ
قبل أن
تنطفئ النار
وأسجد أمامها سجود الشدّة
وأجيب فافتح كتابي.
وفوق المدينة أقول شرف الحب
وبقدميه اجتاز الحقارة.
* * *
لي حبيبة يا صديقي
وليس لك
حبيبة ...
12 آذَار 1967
|