|
English | French |Arabic
فيروز والرحبانيان بعد 15 سنة
الجمعة
والسبت واليوم الأحد ينبعث الأرز بصوت فيروز وشعر الأخوين رحباني
وموسيقاهما. أكاد أرى هذه الأشجار التي أهلكتها الدعاية اللبنانية تتنفس
أخيراً وتنفرج أساريرها وتجد لحياتها معنى بعد كل ذلك
»
الخلود«
الكئيب.
عندما نتحدث عن الأخوين رحباني نرتفع رأساً فوق
المظاهر
»
الفنية«
الأخرى في لبنان ولا تعود المقارنة سهلة. فما أنجزه وما وصل إليه
الرحبانيان لم يلحق به أحد بعد. يكفي الموسيقى الرحبانية أنها أغنتنا عن
الميوعة والتفاهة والضجر التي تهب علينا من مختلف أوكار الموسيقى العربية،
ويكفي شعرهما الغنائي أنه صلة وصل هنيئة بين
"الشعر
العالي"
والشعر الشعبي، وأنه أرفع ما بلغته قصائد الأغاني العربية، وأنه يجلس على
مقعد واحد مع خيرة ما في الغرب من كلام غنائي، وأحياناً يتقدم عليه.
في
» بياع الخواتم« استطراد لما بدأت معالمه تتضح مع
» جسر القمر«
و »
الليل والقنديل«
أي المسرحية المغناة. ولو لم يكن الرحبانيان يكتبان لتغني فيروز لكانا ربما
اكتفيا ببلوغ المسرح الأدبي، غير أنهما، لحسن حظهما وحسن حظنا، يكتبان
لفيروز، أجمل صوت في العالم.
»نحن شعبيان«
يقول الأخوان، ولعل هذا تنبيل للمفهوم الشعبي بل هو بالفعل إعادة اعتبار
إليه. والحق أن الأخوين رحباني إنسانيان تتسع أعمالهما بشكل رحب للتفسير
الشعبي كما تتسع للتفسير النخبوي أو المحض شخصي. إنهما شعبيان انطلاقاً من
كونهما يصيبان القلوب الشعبية لا انطلاقاً من انحدارهما إلى الذوق الشعبي
السهل. انهما
»
الرحبانيان«
أولاً وأخيراً.
المآخذ؟
تبدأ عليهما من فوق، أي بعد التسليم بكونهما، في
التلحين وفي الشعر، من السادة الكبار ومن الخلاقين. أنت تؤاخذ الرحباني كما
تؤاخذ سعيد عقل أو محمد عبد الوهاب. وكما لا يمكن مقارنة صوت فيروز
بالأصوات الأخرى لا يمكن مقارنة الرحبانيين إلا انطلاقاً من كونهما دخلا
دخلا نهائياً في تراثنا الفني دخول الريادة والفتح والإبداع واحتلا فيه
مكاناً فريداً وعالياً.
هل هذا يضعهما
في التاريخ ويصبح بالتالي الكلام على استمرار تطورهما كلاماً لاغياً؟ كلا.
لقد بدآ منذ نحو خمس عشرة سنة ومنذ نحو خمس عشرة سنة لا يزالان يبدآن.
20 آب 1964
الحب
أصفى درجات الإرهاب
مشِّط شعرها
الذاهل بيدين صاعقتين أو أحرق يديك الذاهلتين بشعرها الصاعق.
يجب أن
تخطفها من نفسها أعنف مما يخطف الإلهام الإلهي عقلاً بشرياً. الحب
أصفى، الحب أرقى درجات الإرهاب.
20 حزيران 1965
لنطرد لبنان من هذا البلد
أدعو جميع
أهل الفكر والفن في لبنان إلى العصيان على وضعهم الاجتماعي بكل الأساليب
الممكنة وغير الممكنة.
أدعوهم إلى
السلب والنهب والنصب والاحتيال.
أدعوهم إلى
الدّين الاحتيالي والاختلاس وإساءة الأمانة.
أدعوهم إلى
الغدر.
أدعوهم إلى
قطع الطرق ودَهْم البيوت بالكسر والخلع.
أدعو من لم
يفعل ذلك منهم بعد إلى أن يفعله، وأدعو من يفعله إلى المزيد.
الدولة
تتجاهلنا وتعادينا، والمؤسسات تتجاهلنا وتعادينا، والمجتمع يتجاهلنا
ويعادينا.
كل شيء
ضدنا.
ان وضع
المومس السرية قد يكون أفضل من وضع المومس العلنية لأن المومس السرية تتمتع
بقسط أوفر من الحرّية،
لكن من الثابت أن وضع المومسين هو بلا شك أفضل بكثير من وضع الشاعر والمفكر
والفنان في المجتمع اللبناني.
الشحّاذ
يشحذ ولا يعمل شيئاً آخر. لكن الكاتب يكتب، في لبنان، ويشحذ.
والمومس
تتعهَّر ولا تشتغل شغلة أخرى. ان الكاتب يكتب، في لبنان، ويتعهَّر.
ومعلم
المدرسة يعلِّم ولا يعمل شيئاً آخر.
ان الكاتب
يكتب، في لبنان، ويشتغل معلم مدرسة.
والتاجر
يتاجر ولا يفعل شيئاً آخر. لكن الكاتب يكتب، في لبنان، ويشتغل في التجارة.
وفي الصحافة والسياسة والوظيفة والسمسرة والعمالة والتهريج والزراعة وتربية
الدجاج والتجسس والتهريب والاستزلام.
الكاتب،
الفنان، المفكر، في لبنان، كلب.
أحقر من
كلب.
التراب في
لبنان أغلى من الشاعر. شبر تراب في لبنان أغلى من أي شاعر.
والقول ان
الشاعر الكبير يفرض نفسه ويكسر هذا الظلم، هو قول غش. لا يفرض نفسه في
لبنان، على المجتمع اللبناني التافه، إلا الموالي له، المستسلم لشروطه،
المنهار عند قدميه.
ولا ينفع في
وجه هذا المجتمع التافه غير العصيان.
ولا يكفي أن
نبصق في وجهه مهما بصقنا. سيقول ان السماء تمطر.
ولا أن
نهجوه مهما هجَونا. فلن يقرأ. وان قرأ فلن يفهم. وان فهم فلن يتأثر. وان
تأثر فسينسى الموضوع كله عند الحلاق، أو على كأس عرق، أو أدركه التأثر
بالمقلوب.
لا يكفي أن
نأخذ من المجتمع اللبناني التافه موقفاً نظرياً. على حذائه كل المواقف
النظرية. المواقف النظرية والمواقف الإنسانية تسقط في المجتمع اللبناني
التافه كما تسقط حبة العطر في مرحاض.
لا.
يجب أن نؤذي
المجتمع اللبناني التافه. وحتى نؤذيه يجب أن نجرم بحقه الإجرام الفعلي
ونعلن عليه العصيان العملي ونطبِّق ضده سياسته ضدنا. ونؤذيه بالفعل.
هو يحرمنا
فلنحرمه.
هو يحاربنا
في رزقنا فلنحاربه في رزقه.
لا ندفع
لدائنيه ديونهم، ولا لمرابيه أموالهم. نسرق أغنياءه ونحتال عليهم. نستعمل
كل ما لدينا في سبيل إفساده وتحطيم أركانه. نتعاون مع أعدائه. نطعنه في
الظهر.
نخونه في
الجهر، نخونه في الخفاء، نخونه سياسياً واقتصادياً ودينياً وأخلاقياً.
نخونه حتى
آخر رَمَق من حياتنا.
ونجعله
فضيحة الدنيا.
*
* *
بأي حق يكون الأبله سيداً على رزقه ويكون رجل الفن والفكر عبداً
لارتزاقه؟
بأي حق، بأي عدل، يكون المحتكرون مئة، وهؤلاء المئة لا يستحقون
في ميزان
الروح وميزان العقل أن يكونوا بشراً؟
من سمح للبنان أن يعّد
نفسه بلداً راقياً، وأرقى مَن فيه مخنوقون بحبل الحاجة والرق المادي وأبشع
أنواع الظلم؟
من سمح للبنان أن يرتجل ذاته دولة، وهو المزرعة القبيحة المباحة
للبهائم؟
ولماذا يتمسك بلبنان شعراؤه وفنانوه ورجال فكره؟
لماذا يريدونه بلدًا مستقلاً؟ لماذا يخافون ضمه إلى العرب، إلى
الهلال الخصيب، إلى أوروبا، إلى الشيوعية؟
أعلى حقوقهم فيه يخافون؟
أعلى كراماتهم فيه؟
أم على امتيازاتهم؟
أي بلد هو هذا الذي لا يمكن أن تكتب فيه قصيدة مجد، إلا إذا تصورت،
وأنت تكتب، شيئاً آخر سواه؟
أي بلد هو بلد التجارة والعمالة، لا خبز فيه لغير السافل، ولا
ازدهار لغير القشور؟
أهو هذا الذي تحميه أقلامنا وعقولنا وحناجرنا من الغزو العربي
والغزو الاستعماري والغزو الشيوعي؟
نحن، رجال القلم، رجال الفن والفكر في لبنان، لا يمكن أن نخسر
شيئاً إذا ضاع لبنان.
لا يمكن أن يكون، أمام غزو التفاهة والحقارة والظلم اللاحق بنا في
مجتمع لبنان، غزو أسوأ.
لا أعرف إلى أي حد العمال والفلاحون في لبنان مهمومون
بمصيرهم. إلى أي حد هم قانعون، إلى أي حد هم مستَحلَبون وشاعرون أنهم مستَحلَبون.
نحن، رجال القلم والفن والفكر، عمال كذلك وفلاحون.
وإذا كان في إمكان عمال الورشة والحديد وفلاحي الأرض
أن يتجمعوا ليثوروا بأعداد ضخمة، ففي يد أهل والقلم والفن والفكر أن يعملوا
الثورة.
وأن يعملوها أيضاً وحدهم.
وأن يعملوها أعمق وأحسن.
لا على الورق وفي الصحف ولا في الكتب وحدها ولا على
الجدران ولا في البيوت وحدها ولا في المقاهي. بل في الشارع. في الدكان
والمحل والمصرف والمعمل والمزرعة والمكتب.
ان أهل القلم والفن والفكر هم جزء من هذا المجتمع.
وبإمكان هذا الجزء أن يتحول طاقة تخريبية. ان يسرق وينهب ويستشري سابوتاجه
في كيان المجتمع اللبناني التافه استشراءً هائلاً.
بإمكانه أن يصير أقوى شبكة لأعمال العنف دون أن يكون
لأي سلطة حق النيل منه، لأنه عادل في إجرامه، لأن وحشيته طبيعية، ولأن
إرهابه منادى.
لأنه مهما فعل فمعه التاريخ، ومعه حاضر الأيام، ومعه
المستقبل.
معه كامل الحق واكثر من كامل الحق: معه أبسط الحقوق
الطبيعية، البديهية، في معيشة موفورة الكرامة ضمن مجتمع لا يعتدي عليه ولا
يحرمه ولا يُذلُّه.
هذا هو العمل المطلوب والملحّ. وفي حال القيام به يكون
خيراً للقائمين به ولغير القائمين به. خيراً لبلد يكذب حين يزعم أنه بلد
الرقي والعلم. ويزني أحط الزنى حين ينافق فيزعم أنه موئل الحريات.
لم أعرف وقتاً للتخريب وهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها
مثل هذا الوقت بالنسبة لأهل القلم والفن والفكر في لبنان. انه الظرف
الذهبي.
أدعو جميع أهل القلم والفكر والفن في لبنان إلى
العصيان على وضعهم الاجتماعي بكل الأساليب الممكنة وغير الممكنة.
أدعوهم إلى الحلال والحرام، إلى التضامن والتآمر. إلى
إسالة الدماء.
أدعوهم إلى النهب والسلب والضرب والهدم.
أدعوهم إلى العمل عصابات متراصة.
أدعوهم إلى طرد لبنان من هذا البلد.
26 ايلول 1965
ماذا
»
ليس«
الموت؟
قرأ لي عاصي الرحباني في مقطع شعري له، عبارة تقول: البطولة هي الموت.
وفكرت كم من الأشياء يحب الفنّانون أن يدمجوها بالموت!
يقولون،
مثلاً، إن الشقاء هو الموت، ويقولون أيضاً ان السعادة هي الموت!
ويقولون ان الهزيمة هي الموت، ويقولون أيضاً ان
الانتصار هو الموت!
ويقولون ان العبودية هي الموت، ويقولون أيضاً ان
الحرية هي الموت!
ويقولون ان اليقظة هي الموت، ويقولون أيضاً ان النوم
هو الموت!
ويقولون ان البغض هو الموت، ويقولون أيضاً ان
اللامبالاة هي الموت، ويقولون أيضاً ان الحب هو الموت!
ماذا إذن
» ليس«
الموت؟
غريب أمر
الفنان.
الحياة،
بالنسبة إليه، هي الكهرباء. وهو مفتوح على الكهرباء بكل إحساسه.
قد يلتقطها،
وقد يبقى دونها كالخشب.
وأحياناً
يلتقطها حتى الثمالة، حين تصعقه فيموت.
وكلما صعقته
في مكانٍ من إحساسه صعقة الموت، وصف إحساسه في تلك اللحظة بالموت.
فالفنان
والموت عِشْرة واحدة.
والفنان
أكثر من يعظّم الموت. فهو يعتبره السيد المطلَق،
»
يحسُّه«
بلا هوادة. يحسه في الحياة اليومية والعلاقات البشرية، ويحسُّه في العمل
الفني. يحسه حيث كل شيء هو شيء قابل للفناء وقابل للوصول إلى الأوج.
وعندما يشعر
الفنان برهبة أمر من الأمور، أو بجماله الساحق، أو، خاصة، بسحره، يشبّهه
بالموت.
حتى العطاء
يقول الفنان عنه انه الموت.
وفي هذا
تعقيد لو نظرنا فيه بعمق لوجدناه بسيطاً.
فالفنان
يقيس الحياة بالأبدية. يطمح إلى المطلق ويحيا في هاجس الخلود. كل ما يذهب
بالعواطف والأفكار والأعمال هو، بالنسبة إليه، الموت نفسه.
كلما ماتت
زهرة في العالم مات العالم في نظر الفنان.
البطولة،
يقول عاصي، هي الموت، لأن نهاية البطل هي الموت. لم يقل: البطولة هي المجد،
أو مبرر حياتنا، أونتيجة ضغط إلخ... لم يفسّرها.
لم يحلّلها. لم يتحايل عليها. لخّصها بكلمة هي حقيقتها
»
الأخيرة«
: الموت.
وكل شيء،
بالنسبة إلى
الفنان،
يُقاس بهذا المقياس.
وكل شيء،
بالنسبة إلى
الفنان،
قناع يخفي الموت.
حتى وجه
المرأة.
حتى وجه
الطفل.
حتى الفن.
وكل ما نحب.
وأكثر ما نحب...
12 حزيران 1966
|