English | French |Arabic

 

 

مختارات من

"كلمات كلمات كلمات"

  

 

      أوكتافيو باث وفؤاد غبريال نفّاع

 

 

          مرّ الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث ببيروت حيث قرأ ديوان فؤاد غبريال نفّاع. وقال لي: نفّاع شاعر الوعي. وكان نفّاع حاضراً ولم يجب.

          ونفّاع في نظر الأكثرية هنا شاعر الخبل والذهول لأنهم  » يعرفون « أن نفّاع الشخص ذو عادات غير عادية.

لكن باث قبض الحقيقة في لحظة ولم تنطل عليه حيل الحوادث الخارجية، كما يسميها.

          وهذه نقطة أساسية في الفن حيث لاوعي بعض عادات الشاعر الحياتية لا يجر بالضرورة لاوعياً في عمله الفني. لقد كان رمبو يحرض على » خربطة« الحواس لكي يصبح الشاعر عرّافاً. لكن » خربطة « الحواس عمل بين الشاعر ونفسه وقد يكون فيه للشاعر لذة جسدية. وإذا كان الشاعر يتخذه وسيلة إلى الرؤيا فهو حر، أما العمل الفني فهو صنيع الوعي بقدر ما هو صنيع اللاوعي ولا يمكن القول بأي استغناء عن العقل. هذا ما أراد باث أن يقوله.

          طبعاً لا يكفي الشاعر أن يكون سكّيراً أو معتوهاً أو مجنوناً أو مدمناً لكي يكون شاعراً.

          الشاعر هو أيضاً عالِم ولعلّه شيخ العلماء.

14 حزيران 1964

 

 

 

       مجلة » شعر« إلى الأبد

 

      

       قرر يوسف الخال أن يُغلق مجلة » شعر« فيكون العدد المقبل آخر عدد منها، كما قرر من ثماني سنوات أن يصدرها فيكون العدد الأول منها فاتحة طريق وانقلاب وحرب.

          في هذه السنوات الثماني قليل من الشعراء العرب المتحركين من لم يتقلب على صفحات المجلة، من أدونيس إلى شوقي أبي شقرا إلى عصام محفوظ إلى فؤاد رفقه وأنا، الذين شاركوا في تحريرها وتحمّل مسؤوليتها من داخل، إلى جبرا ابراهيم جبرا وتوفيق صايغ وبدر شاكر السياب وخليل حاوي ونازك الملائكة ونذير العظمة وجورج غانم ورياض نجيب الريس وسلمى الخضراء الجيوسي وعلي الجندي ولور غريّب وهاني أبي صالح وسعدي يوسف وفدوى طوقان... وغيرهم وغيرهم ممن تقلبوا بتمارينهم ومحاولاتهم على صفحات أجرأ وأحدث مجلة أدبية ظهرت في العالم العربي منذ انهيار » الكاتب« و » الرسالة« في مصر و » المكشوف« في لبنان.

          » تنهض مجلة » شعر« على الاعتقاد أن أساليب التعبير والمضامين التقليدية في الشعر العربي لم تعد كافية، وأن على الشعر العربي المعاصر أن يخلق أساليب حديثة للتعبير عن مضامين حياتنا الحديثة أو اللاحقة بالحياة الحديثة...«.

          فقرة من افتتاحية نشرت في العدد التاسع عشر صيف 1961. وفي طريق البحث عن هذه الأساليب والمضامين الحديثة سار الشعراء والكتاب الذين تجمعوا حول المجلة سير الهدم حيناً والتضعضع حيناً والإبداع والتفتيش المستقبلي حيناً آخر ولم يصبهم الجمود إلا نادراً. واتهمت المجلة مختلف الاتهامات وحاربها الأشخاص كما حاربتها الأنظمة والحكام في البلادالعربية كلها. لكن المجلة حققت لهذا العالم العربي المنكوب خضّة تمردية صحيّة انفتحت وراءها   آفاق جديدة لحياتنا الثقافية والشعرية لم يعد من الممكن للكاتب العربي أن يتجاهلها وللشاعر العربي المقبل أن لا يقيس نفسه بها. تطوير البيت الحر، قصيدة النثر، إلغاء الحواجز المصطنعة بين النثر والشعر، احتضان المدهش والغريب وإعادة الحياة إلى المنسي والاعتبار إلى المحذوف والمقموع، النظرة الجديدة إلى الأشياء، الأتصال المباشر المعاصر والثوري في العالم، تعريف العرب إلى شعراء أجانب خلقوا الحركات الشعرية الحديثة، إلخ ... فضلاً عن إنشاء مستوى لنقد الشعر لعله اعلى ما وصل إليه هذا الفن في الأدب العربي المعاصر، بفضل نخبة من النقّاد في طليعتهم خالدة سعيد وجبرا ابراهيم جبرا.

          لا يمكن هنا تلخيص عمل مجلة » شعر« خلال ثماني سنوات. انها ستتوقف. ستتوقف لا لأن يوسف الخال لم يعد قادراً على إصدارها فحسب بل لأن جميع الذين ساهموا في إصدارها لم يعودوا قادرين على إصدارها.

          لماذا؟

          لأن الشعر في الحقيقة تحدٍّ شخصي. على كل واحد من شعراء مجلة » شعر« بعد الآن أن يواجه نفسه وهو وحده، فقد انتهت عملية الهزائم المشتركة والأرباح المشتركة، وصار كل

منّا مجلته.

          إنني حزين على توقف مجلة » شعر« لكنني فخور بما حققته وفخور بأنها تتوقف من تلقائها وهي بعد حية، رافضة أن يسوقها الاستمرار العادي إلى موت الروح.

          لقد قرر يوسف الخال أن يغلق مجلة » شعر« التي كانت تصدر كل ثلاثة أشهر في مدينة بيروت غير أن مجلة » شعر« باقية إلى الأبد حدًا فاصلاً في تاريخ الشعر العربي.

20 آب 1964

  

                            1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11