English | French |Arabic 

 

 

" التجديف على العزّة الإلهيّة"

 

طلبوا محاكمتي بتهمة التجديف على العزّة الإلهية،  لأني كتبت :" العلّة انو الله فلّ... الله يلعنو".

فعلاً " فلّ". وإلا لما كان ترك أمثال هؤلاء العباقرة يحبّبونا بالشياطين.

 نيـسَــان 1970

 

       مهما صرخ

 

        بعد قليل يخرج الكلام من الشفاه ويسقط في مصيره. 

هل من يعرف أين يجرف ذلك التيار،  كلام الشفاه؟ 

هناك كلمات لها حظّ : مثل كلمة تسقط في الضمير،  وكلمة في كيمياء الجسد،          وكلمة في الفعل.

ولكنْ من يعرف حزن الكلام الذي تتنفّسه الشفاه ولا تتلقّاه أذن واحدة؟

بعد قليل يخرج الكلام من الشفاه ويسقط في مصيره.

وبعض الكلام أخرس مهما صرخ،  وبعضه بجمال مريم العذراء حين خاطبت

 إبنها بلهفتها وكِبَرها،  فتجاهلها وتظاهر بانه لم يسمع. 

بعض الكلام لا يعود يعرف  إذا كان هو الكلام أم جسد المصلوب.

 

 نيـسَــان 1970  

      

        صرتَ جميلاً

 

          يا خوف يا ملك الملوك المعظّم  

تصل على فرسك لتحصد كل شيء .  

نتعب في المواسم، نعاكس مجرى النهر ،

 ونشيب.  وكلما وصلنا نزلتَ من القطار ونهبت تعب المواسم وغلّة القلوب

 يا ملك الملوك المعظّم، إرهابك يجعل قلوب الأبطال

 يخفق بهلع المقبوض عليه بالجرم المشهود،

 حتى لو لم يكن عمل جرماً،  وحتى لولم يشهده أحد.

بيني وبينك البحر،  بيني وبينك اليابسة.

بيني وبينك المدّ والجزر،  وهما التهديد المتواصل،

 و بيني وبينك الثبات والرسوخ،  وهما العجز عن الفرار منك.

علَّموني إياك يا خوف.

ومن قبل، كنت أجهل أن للنهار ظلاماً غير الليل،  وكنت اجهل أن للوجوه عيوناً           غير العيون الجميلة.

أنت المعلَّق فوق الأبواب،  النازل من بين الأصابع، المولود مع كل مولود،

  السهران على الساهرين والنائمين والصامدين والهاربين،  أنت قاطف ثمار             العمر،

  أنت المشدود كالخنجر بين الأسنان، أنت قاطع الطرق، علَّموني أن أضربك             بكل السيوف،

  وما ضربتك بسيف، إلا انقلبتَ كالماء تحته.

  يا ملك الملوك المعظّم.

  يا كبير الملائكة. 

  يا حارس مرمى الكرة الأرضيّة. 

 يا شيخ القرى ومولى المدن وشاه الأمبراطوريات. 

 يا قبَّة السماء وحضن الآفاق وستار المسارح وأعماقها، 

 أسجد لك 

 وأوصيك بمَا أخذته من حياتي. 

 فقد أخذتَ الساعات،  وأخذتَ الأماكن،  وأخذت الذكرى التي ستجيء.

أخذت حتى الغيبوبة،  بل اخذت حتى الموت. 

وصرتَ جميلاً يا خوف،  ورأسك ملقى بحنان على كتفي.

 نيـسَــان1970  

 

  اذهبْ قبل فجر الصيّادين

 

أولاً ليس هناك أهداف.

هناك هدف واحد وهو أن تجد من يحبك.

و أن يعطيك أكثر ممّا تستحق.

وأن يكون أجمل من حلمك به، وأجرأ من مطالبتك له، وأسبق إليك من شروطك           وجنونك.

حتّى تحبّه الحب كله، وتظلّ مع هذا تشعر أنك لا تحبّه كما تريد.

حتى تحبّه الحب الفائض، يصرخ وجهك به صراخاً، وتظل مع هذا تشعر انك           مقصّر

 وأنك منذ البدء كنت تعرف هذا الشخص الذي لا تعرف، وتعيش هذه اللحظات            التي لم تعش.

 حتى تشعر كم أنت بخيل.

حتى تبادله العطاء كامله بالعطاء كامله، وتظلّ مع هذا تشعر أنك تأخذ أكثر مما           تعطي وتأخذ من غير عدل،

وأنك حين تعطيه فانما قبوله لعطائك هوأيضاً عطاء منه لك، بل اغداق يشعرك          بضآلة عطائك.

أولاً في الحياة ليس هناك خطايا.

هناك خطيئة واحدة هي اللاحب.

هي أن لا يرى الواحد ليله مفتوحاً كالوردة في اعماق امرأة.

هي أن لا يرى وجهه كالقمر في نهر.

هي ان لا يكون زمانه مربوطاً ومزهوّاً كالخلخال بمشية امرأة الى مصيرهما.

هي أن لا يكون له امرأة يضيع فيها اسمه، فيغدو اسمه يدها، عشبتها،

 ظلّها، والفجوة الصغيرة التي تحدثها في السرير عندما تنام.

 

اذهبْ و لا تلتفت

ولا تترك وراءك عنوانك

اذهبْ و لا تأسف على الجذور

لان الجذور تهاجر معك

اذهبْ على دروب حبّك

حيثما تقودك الريح

ولا تخف فالنهر صاحبك

والأغصان المتشابكة فوقه

ستحميك من الشمس

اذهبْ قبل فجر الصيّادين

والحبيبةُ الهاربة معك

اجملُ من دموع حرمانها القديم

تفتح لك الغابة وراء الغابة

وتهبط معك ايها الملك

شلاّلَ الضباب و النجوم.

 

*          *          *

 

الغزال يمضي وزرقة السماء لا تُطال

امضِ كالغزال ونشوتك عالية لا يبلغها طير البكاء الأسود.

لو أُعطينا أفضل من الحب

لكان لون عيوننا تغيّر

لكنّ لون عيوننا أزليّ

لأننا لا نملك أفضل من الحب.

ماذا تنتظر أًََََيها الضعيف لتنال القوّة

أيّة اشارة تريد

أكثر من رجع أصداء الوحشة بين جدران العالم

وأكثر من وقع أقدام الوحدة الصاعدة

على أدراج قلبك؟

إذهبْ ولا ترتّب الطاولات

أتركْ كل شيء

أتركْ المكاتب وأقفاص العصافير والمزهريّات

لأن الأشجار ستكون بلدك

وسترحّب بك الأزهار وهي تحمل باقات العصافير.

لماذا تتأخر وماذا تنتظر؟

بَكَيْتَ وضَحِكْتَ

صبرتَ وغضبتَ

أخلصتَ ولم يعد لديك أرض تدور إلا إخلاصك

أتركْ الأبواب  

إذهبْ ولا تلتفت

إتبعْ عطرها وأطعْ إتجاه شعرها

إذا أخَذَتْكَ إلى السماء فهناك سيكون العرس

وإذا حملتك إلى الجحيم فهناك سيكون العرس أيضاً.

23 تــَـمّوز 1972

 

 عجيب توفيق يوسف عوَاد

 

توفيق يوسف عوّاد لا يهمّ ما هو موقفه. لا يعني شيئاً سؤالك: إلى أي خط    
         
         
روائي ينتمي؟

لا يهمّ إطلاقاً ما هو "التزامه"  السياسي والاجتماعي، أو إذا كان يوحي، أصلاَ،         
        
مثل هذا "الإلتزام " لنسأل عن هويته...

لذلك لا تسألوا عن روايته الأخيرة إذا كانت مع هذه الفكرة أو ضدها،

 مع هذه العقيدة أو ضدها، مع هذا البطل من أبطالها أو ضده.

لن تجدوا الجواب!

لماذا؟

لأن السؤال مغلوط، فليس هذا هو السؤال.

" طواحين بيروت"، روايته الأخيرة، تُقرأ دُفعة واحدة، دون ملل. تحبس أنفاسك

 وتضرم فيك الأعصاب وتصالحك مع "الرواية". تقرأ رواية، لا فلسفة

ولا نظريات. رواية بأشخاص يحيون، يرسمون مصيرهم بتوهّج وصراخ

 ويتمزّقون كل صفحة، وحين يتحركون، يحرّكون معهم الهواء لا الأفكار،

 وحتى حين يضع الكاتب على لسانهم أفكاراَ يتصارعون بها، كأفكار

 الثورة والتحرّر الجنسي والعنف واللاعنف الخ... – حتى عندما يصبحون           
         
"أبطالاً مثَقفين"، لا يغيب عن بالك

 لحظة واحدة أنهم أشخاص من لحم ودم، لا أثر فيهم للَزَيَف أو للتكلَف، بل

           يشهدون على عصرهم

 ومحيطهم شهادة حادة جدَاً، كالقلم المروّس الى حد تحسّه سينكسر... ولكنه لا

           ينكسر.

قلم توفيق يوسف عوّاد؟ قلم توفيق يوسف عوّاد هو المهمّ. هو السؤال وهو

         الجواب.         

كتابته.

يسوقها اليك بقَدْر من الحرارة والجمال لا تعود معه تسأل، بل تنجرف.

تستسلم.

 ويعيش أبطاله فيك، بعد القراءة، طول العمر.

هل تذكرون " الرغيف"؟ "الصبي الأعرج"؟ "قميص الصوف"؟

 لا يزال توفيق يوسف عوّاد هو نفسه بعد ثلث قرن.

بل هو اليوم أهمّ.

أهمّ لأنه بعد ثلث قرن عاد يكتب لجيل اليوم وعن جيل اليوم رواية اليوم،

           الرواية

 التي لم يكتبها لهذا الجيل أحد، لا من صفوفه ولا من صفوف آبائه.

عاد وكتبها كأنه لم يغب سنة واحدة عن الرواية، وكأنه لا يفصله عن هذا الجيل،

          جيل "ثورة الطلاب"

عام 1968، جيل "عار اللامقاومة"، لا نصف قرن،

 ولا السلك الديبلوماسي، ولا شيخوخة من أي طراز كان.

عجيب توفيق يوسف عوّاد .

         كنا حسبناه صار على الرفّ، فإذا هو ينطّ كالرفّاص، ويطير عالياً كالنسر،

         و"يطبّش" في النهر والوحل والأودية، ويقتحم الغابات كصيّاد في العشرين.

 عجيب فعلاًَََ

         حسبناه دخل التاريخ، فاذا هو لا يزال يصنعه...

          تشرين الثـَاني 1972

  

رصاصه أحلام وبنادقه ضمائر

 

كلهم أبرياء.

ليس الضحايا الأبرياء وحدهم أبرياء، بل كذلك القاتلون.

القاتلون أيضاً أبرياء.

لأن المجرمين الحقيقيّين هم الذين ما برحوا يقنعون كل فئة بأن الفئة الأخرى هي            العدوّ.

المجرمون هم الذين شحنونا بالبغض والرعب والسلاح.

المجرمون هم الذين كانوا منذ فجر الاستقلال

 يعرفون أن ذلك سيحدث ولم يفعلوا شيئاَ لمنع حدوثه بل تركوه يتفاعل ليحدث.

المجرمون هم الذين، منذ فجر الاستقلال،

 تركوا الرشوة تبتلع أرض الوطن المادية والروحيّة،

 ومن مواقع مسؤوليّاتهم مدّوا الى الرشوة يد المصافحة أو

 غضّوا عنها طرف الجبن، عوض أن يقطعوها من جذورها.

المجرمون هم الذين تركوا الوطن يتدهور من جفاء الى إنقسام ومن ضعف الى           ذل، ومن

 ذل الى قهر، فيتراكض أهله الى التسلّح ظنَاً منهم أن السلاح يعطيهم تلك            الحصانة المفقودة،

 تلك الطمأنينة الهاربة، ظناً منهم أن السلاح يسلّحهم... ولم يعرفوا أن الوطن لا           سلاح له غير شعبه،

 و لا سلاح له بشعبه ان لم يكن شعبه واحداَ، واحداَ أعزل من السلاح، أعزل           إلا من سلاح دولة منيعة،

 أعزل إلا من سلاح الحياة، والمزيد من الحياة.

سلاح الحياة الذي هو الرحمة والعدل والمحبة.

سلاح الحياة الذي هو الارادة الواحدة المتّحدة في التقدم المشترك.

سلاح الحياة الذي رصاصه أحلام وبنادقه ضمائر.

 

*          *          *

 

لن يشفى لبنان من هذه المحنة الا اذا انقلب على نفسه.

وينقلب على نفسه اذا رفض الأسباب التي أوصلتنا الى الفاجعة.

اذا رفض أن يظلّ محكوماً بتجاذب السلبيّات.

لن يشفى لبنان من المحنة الا اذا خرج الى القوة.

والقوة ليست الارهاب.

القوة ليست العنف.

القوة ايمان ووحدة هدف. القوة شَغَف روحي وحق.

القوة هي أن يكون الشعب جبهة واحدة في

 مفهومه لقضايا المصير، فلا يعود في قدرة أحد أن

 يتسلّل من تجزئته الطائفيّة وفوضاه العقائديّة والإنتمائيّة، الى العبث بوجوده           وتخريب حياته.

إذا كان الأمر قد وصل بالفلسطينيّين إلى أن يحملوا

 السلاح في وجه نصف اللبنانيّين، فيجب ألا نلوم

 الفلسطينيّين وحدهم. لقد خدعناهم، فلو كان اللبنانيّون واحداً لا نصفين لما وقعت           حرب على الإطلاق. التنافر اللبناني

 ساهم في إيقاع الفلسطينيّين في فخ تناقضاتنا وأغراهم بالحلال والحرام.

ولقد خدعناهم.

خدعناهم لأننا أحللنا في علاقاتنا معهم، منذ البداية، المجاملة محل المصارحة،          وخدعناهم لكي نستغل قوتهم،

 سلباً وإيجاباً، في مصالحنا السياسيّة، وخدعناهم كرهاً بعضنا ببعض.

هذه هي الحقيقة.

وإذا كان الأمر قد وصل ببعض اللبنانيّين إلى أن يحملوا السلاح في وجه           الفلسطينيّين، فيجب ألا نلوم هؤلاء اللبنانيّين.

 لقد حلّت غرائزهم محل غياب الدولة والسياسة المسؤولة، وحلّ الخوف محلّ           الثقة الغائبة، وثارت الثائرة لمّا أخلّ الفلسطينيّون الضيوف بالميزان.

بلى، القتلى أبرياء والقاتلون أبرياء.

كلهم مخدوعون.

المجرمون الحقيقيّون هم الذين، منذ فجر الاستقلال، لم يروا من مصير لبنان          غير مصالحهم وأحقادهم وجيوبهم.

المجرمون الحقيقيّون هم الذين، منذ فجر الاستقلال، لم يفعلوا شيئا لبناء الشعب           الواحد.

المجرمون الحقيقيّون هم الذين، منذ فجر الاستقلال، عرفوا كل فئة من أي           حرمان تشكو

 ولم يفعلوا شيئاً لازالة الحرمان: فالمسلم المحروم إقتصاديّاً وسياسيّاً إزداد           حرمانه

 وازدادت غربته الروحيّة عن الوطن. والمسيحيَ المحروم الشعور بأن المسلم            يشاركه

في المفهوم نفسه لمعنى الوطن فينبضان معاً نبضاً واحداً حيال كل قضية أساسية          من

قضاياه، هذا المسيحي ازداد حرمانه، والفلسطيني المحروم، في مخيّماته التي          يفوق بؤسها الوصف،

 المحروم أقل حقوق العيش وواجبات العناية التي تفرضها بديهيات الأخلاق،            فضلاً عن حرمانه أرضه ووطنه،

 هذا الفلسطيني المقهور في حقه مرتين، ازداد حرمانه.

كل حرمان من هذه الحرمانات الثلاثة راح يتراكم من كبت الى كبت حتى           إنفجر.

         لقد سمَّى موسى الصدر حركته "حركة المحرومين"، كأنه،

         عن قصد أو بالحدس، كان يطلق الشعار الحقيقي

         الوحيد الذي ينطبق، ولو بدرجات متفاوتة، على جميع الساكنين في لبنان، سواء          المحرومين جهراً والمحرومين سراً.

وإذا أردنا أن نختصر مطالبنا من الحكم الجديد فقد نوجزها بهذه العبارة: أن          يستأصل لدى الجماعات التي حُرمت الشعور

 بالإنتماء الكامل الى الوطن، أسباب هذا الحرمان.

وبكلمة حرمان نقصد كل معاني الكلمة. فالمحروم مادياً، في رزقه ولياقة عيشه،           يتساوى هنا،

 على صعيد النتائج السلبيّة، مع المحروم في طمأنينته النفسّية والروحيّة.

الفلسطيني أصبح عنده مَن يعمل على إسترداد حقه في وطنه.

... يبقى حرمان المسلم والمسيحي.

 

*          *          *

 

إذا كان المسلم يطمح الى العدالة الإجتماعيّة والى المشاركة السياسيّة في أجهزة           الإدارة والحكم- وهو حقّ طبيعي

 من المؤسف الجدال فيه عوض العمل على تلبيته من

 دون اي إعتبار على الإطلاق غير إعتبار العدل- فإن المسيحي

في لبنان يحتاج الى خبز من نوع آخر لعلّه أصعب توافراً من تلك الحقوق           التي  يمكن تأمينها

 بمرسوم أو قانون. إنه خبز الكينونة الوطنيّة المعافاة، المتفتّحة بلا خوف، غير           المجزّأة،

 غير الملجومة بتضحيات إصطناعيّة، وغير المكبوتة بتنازلات تصدر عن             المجاملة بَدَل ان تنطلق من الإيمان.

إن إزالة هذا الحرمان النفسي مرتبطة الى حدّ بعيد، من دون شكّ، بإزالة           الحرمان السياسي

 والمادي الذي يعانيه المسلم. فبعض العلاقة بينهمَا هي علاقة المسبِّب بالسبب.           لكن فهم

حقيقة الحرمان المسيحي يساعدنا لا على إزالته وحده فحسب، بل على إزالة           حرمان المسلم أيضا.

 فالحرمانان واقعان حتى الآن في ضباب كثيف من سوء الفهم.

إن مظاهر البحبوحة عند المسيحييّن، عموماً، هي في الغالب مجرد مظاهر           سطحيّة لم تستطع ولن تستطيع،

 رغم إزدهارهم الإقتصادي نسبياً، ان تخلّصهم من الحرمان الأعمق: حرمان           العيش والعمل والإنطلاق في وطن

 جميع اللبنانيّين فيه يشاركونهم في التمسّك به بالمقدار نفسه وبالجذرية نفسها من           دون حساب.

هذا الحرمان لا يلغيه مجرد وجود رئاسة الجمهوريّة وبعض السلطات الرئيسيّة          الأخرى في أيدي المسيحيّين.

 هذه السلطات هي من العوامل التي تضفي على المسيحييّين مظاهر البحبوحة            والسيطرة، إلا أنها مظاهر

 خدّاعة تحجب عن الناظر إلى أعماق مسيحيّي لبنان رؤية الحرمان الأعمق:           الحرمان على صعيد الوجود

 والتفتّح الكلي وليس فقط على صعيد الحقوق الإجتماعيّة. ففي كل بلد في العالم           فئات بل شعوب تعاني حرماناً

 إجتماعيّاً ومادّياً، ولكن كم هي الشعوب المحرومة الإطمئنان الى كونها شعباً           واحداً لا شعبين ووطنا واحدا لا

 وطنين ولا نصف وطن؟ إن هذا النوع من الحرمان يولّد في صاحبه كبتا أعمق           وأشدّ خطراً

 من كبت الظلم الإقتصادي، لإننا هنا لا نظلم الإنسان في خبزه بل في كيانه           وروحه،

 ولا نكتفي بأن نجوّعه فيثور، بل نخنقه من داخل وجدانه، فيجنّ.

وماذا ينفعه بعد هذا أن تكون في يديه الرئاسة والسلطات، وهو يشعر أنه بنصف          جناح،

 بنصف إمتلاء، بل بنصف روح وبنصف جسد، عاجز عن الإنطلاق، عاجز

عن الصيرورة، عاجز عن تحقيق ذاته، عاجز حتى عن الصدق؟

 

*          *          *

 

لقد خدعنا أنفسنا وخدعنا بعضنا بعضاً.

ولن نشفى من المحنة إلا بالإخلاص، ولن ننقذ لبنان إلا بإستخلاص الوحدة من           المحنة.

ومن أجل هذا يجب أن ينقلب لبنان.

ثمّة وضع في لبنان يجب أَن يموت.

الوضع الذي لا يعود فيه مكان للطمأنينة، ولا قيمة للكائن البشري،

 ولا متّسع للفرح، وهو وضع يجب أن يموت. الوضع الذي لا تعود فيه

 كميّة من الهواء تكفي لنموّ النفوس نموّاً طبيعيّاً في ظل الجمال وبقوة المحبة،

هو وضع يجب أن يموت. الوضع الذي لا تعود تعرف فيه إذا كان ما يدوّي فجأة

 هو قصف الرعد أو الصواريخ والقنابل والطائرات هو وضع يجب أن يموت.

فلنتخلّص من هذا الوضع بإرادة الخير التي فينا عوض أن نطيل عمره بزخم


 الشر. فلننهض بحياتنا.

 

ولا نستطيع أن ننهض إذا استمرت غاية الحياة في نظرنا هي المال. لا نستطيع

أن
نمنح وطننا السلام


إذا ظللنا نبيع كل شيء وننسى كل قضيّة في سبيل المال. لقد


 أخذ الإنحطاط طريقه إلينا بالرشوة قبل أن يتحوّل إلى التناحر الداخلي

والإرهاب.

 

*          *          *

              فلنعد إلى السلام.

            وإذا كان السلام يقتضي جهداً أَخلاقياً خارق العادة، فلنقم جميعنا بإعادة بناء            عالمنا،

          عالمنا الإجتماعي والروحي، معيدين إليه الأخلاق.

وهذا ممكن إذا أردناه، وإذا فرضناه على القوى المسيطرة. وكي نفرضه عليها          يجب

 أن نكون، أمام هذه القوى، إرادة واحدة. فالقوى المسيطرة لا مصلحة لها في           التغيير،

 وهي لا تفكر إلا في ضمان الوسائل التي تكفل لها التفوق المادي بعضها على           بعض

 وجميعها على الناس المغلوبين الضعفاء، سواء كانت تلك الوسائل السلاح            الحربي

 أو إفتعال الأزمات أو إستغلالها متى سنحت. القوى المسيطرة لن ترضخ           لإرادتنا في

 السلام، في التغيّر نحو عالم أخلاقي ومجتمع يخدم في الإنسان نزعته إلى           السعادة،

 إلا متى واجهت إرادة واحدة لا يفعل فيها التمييز ولا يشتّتها تحريك غرائز           الانشقاق.

 وإذا لم نستطع، نحن الشعب اللبناني، أن نصبح يوماً إرادة واحدة مرفوعة في            إتجاه هذا الخير،

 فلن يكون هناك أمل في سلام لبناني، ولا في مستقبل لبناني، ولا في حياة           لبنانيّة.

وسيصبح بيتاً مهجوراً ومسكوناً بروح النَدَم التائهة، هذا الذي كان بالأمس جنّة          وحوّلناه إلى جحيم.

*          *          *

لمَن نكتب والحرب وحش لا يسمع ولا يرى؟

نكتب لأولادنا.

علَّهم، إذا بقي لهم وطن، لا يضيّعونه كما أضعناه.

ساعدهم يا الَله.

إغفر لهم ذنوبنا، واغفر لوطني جرائمنا.

من الأعماق يبتهل إليك وطني الصغير،

من الأعماق يصرخ إليك:

"لا تتركني! لا تتركني!".

وحده وطني بين الأوطان لا يسعى إلى حليف له في الأمم.

وحده وطني لا يطلب حليفاً له سواك.

إسمع صراخه،

جاوبه،

قل له، قل له يا الله: "السلام عليك يا لبنان".

ها هو راكع من أرزه حتى بحره.

سلامك عليه فيقوم ويمشي، رصاصه أحلام وبنادقه ضمائر.

 حـَزيَران 1975

 

     أمشي، أمشي، ولا أجد باريس .

 

 عهد صدورها في باريس).

(نشر هذا المقال في "النهار العربي والدولي"

 

آخر مرة جئت إلى باريس كانت من أجل القمر. نزول الإنسان الأرضي الأول          على القمر. تموز 1969

. كانت مختبرات هيوستن تنقل الحدث مباشرة إلى العواصم الكبرى بواسطة           التلفزيون. جئنا،

 غسان تويني وأنا، إلى باريس، أقرب العواصم، لنشاهد وننقل بالهاتف ما نراه           إلى"النهار".

جئت من أجل القمر. لكن الحقيقة هي أنك كنت تغتنم أي حجّة كانت لتجيء إلى          باريس، فكيف بالقمر؟

 وباريس، قمر العواصم، كانت أجمل من القمر.

اليوم أزورها بلا أقمار. وهل يخفى القمر؟ يخفى. عندما يُظلم الأفق في نفسك           يصبح الفضاء صحراء.

 والقادم من بلادي اليوم إلى باريس لم يعد يرى فيها شيئاً مما كان يراه، ولا           حتى القمر. لم يعد يرى

 غير مأساة بلاده أينما كان، أكبر من أي حجم، أعمق من أي فرح.

 إنني، أنا اللبناني اليوم، أشعر بالعتب تجاه الجميع. لقد تركوني لمصيري، أنا           الذي كان لهم جميعا

ً حيثما سقطوا وتوجّعوا وكانوا ضحية. ألم أكن أنا الآخرين، حتى كدت أن           أضيّع إتجاه نفسي؟

وأنظر إلى باريس فأراها تغيّرت. أراها تبشّعت. هل هي تبشّعت حقَاً، أم أن            مرارة لبنان في قلبي تجعلها تبدو كريهة؟

يا مرارة لبنان في قلبي، إنك تعزلينني عن العالم.

 

*          *          *

 

ولا مرة توحّد اللبناني ووطنه كما يتوحّد الآن. لم يكن بينهما عقد إجتماعي، لم           يكن بينهما

 وشائج دولة وشعب، لكن المأساة أوجدت بينهما علاقة كيانيّة. لقد أصبح كلّ           منهما يحمل

 الآخر أينما كان لا كمن يحمل حنيناً غرائزياً ولا كمن يحمل هويّته، بل كمَن           يحمل قَدَره.

 وبعدما كان حمل لبنان على اللبناني خفيفاً كذكرى منسيّة أو كنزهة مجانيَة،           أصبح ثقيلاً كالدعوة.

 وكالدعوة، ها هو الإنتماء اللبناني يجعل من صاحبه رسولاً.

والرسول، أينما ذهب في الأرض، لا يرى غير قضيّته.

وإنني أمشي في باريس، أمشي أمشي، ولا أجد باريس.

لا أشعر إلا بالرغبة في العودة.

كأنني شخص آخر أخذوا منه بلاده ويريد إستردادها.

لكن أحداً لن يسترد لبنان لأن أحداً لم يأخذه. فالوطن الذي يسكن أبناءه بقوة هذا          الهاجس الوحشي،

 الوطن الذي يسكنك وأنت فيه إلى حد التصوّف، وطن كهذا إنما يقيم أبعد من            حدوده،

 ويُفسَّر أعمق من مشاكله، ويُحدَّد ما وراء تناقضاته الشكليّة.

وهو ما لم نفعله فوقعنا في الظلم. ظلمنا أنفسنا والآخرين، ومهّدنا للآخرين           طريق ظلمنا. لقد نسينا

 ما هو لبنان، فرحنا حيناً نطلب منه أن يلبس هذا القناع أو ذاك حتى "يجاري           العصر"، وحيناً أن يُقلع عن

 هذه "العادة" أو تلك حتى نستمر في قبوله وإلا فسنهدمه... نسينا ما هو لبنان.           نسينا أنه لم يحتفظ بشبابه،

 رغم شيخوخته، إلا لأنه أصيل، وإن أصالته هي شرط نموّه وهي سر إشعاعه.           نسينا ما هو لبنان وما

هو دورنا فيه. نسينا أنه جمال وحرية. نسينا أنه ملتقى النقيضين بل وملتقاهما           بسعادة قلّ نظيرها في التاريخ: الحركة والتأمل.

 نسينا ما هو لبنان.

ومن هذا النسيان دخلت العاصفة التي تفرّعت عواصف.

فهل نذكر بعد الآن؟

هل نحفظه؟ هل نصونه؟

هل يعرف الأحياء أن يعيشوا له كما عرف الشهداء أن يموتوا لأجله؟

 

*          *          *

 

... وأمشي في باريس، أمشي أمشي، ولا أجد باريس.

يا مرارة لبنان في قلبي، إنك تعزلينني عن العالم.

لم أعد أستطيع الإبتعاد عنك لحظة يا وطني، لا لأني سعيد فيك، بل لأنني شقيّ.

 ولأني أريد أن أغوص في شقائي بعذابك، في شقائي بآلام مخاضك الجديد، في           شقائي بانتظاري لك

 وبانتظارك لي، أريد أن أغوص في شقائي معك إلى النهاية.

إلى نهاية شقائك.

إلى نهاية المرارة والعزلة.

ولأني أريد أن أرجع فيك إلى نفسي.

فيك لا خارجك.

فأنا، حيثما كنتُ خارجك، سأكون منفيّاً حتى الموت. أية باريس تظل باريس          وأنت حزين؟

 وأي أفيون هو أنت في دمائنا يا لبنان! حقّاً كل شيء فينا يفرّقَنا، ولكنك أنت           تجمعنا. آه! إجمعنا فيك كما تجمعنا

 خارجك! حتى لو أصبحت لهم منفى، لن يكون أبناؤك خارجك إلا في منفى           آخر أشدّ قسوة منك.

وفيك لا خارجك أريد كل شيء.

 

*          *          *

 

وأني أختاركَ من دون رحمة، أختارك كما اخترت الجمال ضد القبح، والطيبة           ضد اللؤم، والمحبة ضد الحقد، والوداعة ضد الغطرسة.

أختارك كل لحظة، من دون هوادة.

أختارك كما اخترت الحقيقة ضد الكذب، والعدل ضد الظلم، والحق ضد القوة،          والشعر ضد السلطة.

أختارك لأنك صغير ولأني، في ظلك، مهما تقدّم بي العمر، سأظل على قياسك           طفلاً، وسأحتفظ بأبديّتي.

أختارك لأنك تحقّق وعودك.

أختارك لأنني دائما سأختار الحرّية.

حـَزيَران 1977   

                                          1|2|3|4|5|6|7|8|9|10|11