|
عبقريّة السَير إلى الخراب!
(
هذا المقال ظهر إفتتاحية في
"النهار"
وهو وسابقه حوكم بسببهما أنسي الحاج
أمام المحكمة العسكرية وصدر بحقَه حكم بالحبس
شهراُ مع وقف التنفيذ.)
برئيس حكومة كالدكتور عبد الله اليافي ووزير خارجية ودفاع(!)
كالحاج حسين العويني،
حتى الطوفان لن يكون بعد الآن مفاجأة.
لقد إنقلبت المقاييس: عدم الدفاع عن
المطار هو الإنتصار، وقمع الفدائيين هو العمل الفدائي،
والمطالبة بمحاكمة المسؤولين عن "إنتصار" المطار هي الخيانة العظمى!
لقد تغيّر
الزمن. صار التاريخ إبن التزوير. صار النبوغ "نكتة" يرسلها حسين
العويني إلى موشي دايان. صارت الشجاعة دموعاً
يسكبها عبد الله اليافي على نفسه قرفاً
من الحكم. صارت الحكمة أن يحذّر
الشيخ بيار الجميَل المطالبين بمحاكمة المسؤولين من أن تفكك مطالبتهم
الوحدة الوطنية.
يبدو أن لا محل للحد الأدنى من البطولة
في لبنان.
يبدو أن لا محل للحد الأدنى من
الحقيقة.
إننا نعوم على الكذب والعار بوقاحة.
نمدّ
أيدينا إلى عابري السبيل نستعطي قرش الإحسان،
ونعتبره وساماً.
نعيش في دولة تعاقبنا إذا إنهزمت،
عوض أن نحاسبها نحن على هزيمتها.
نعيش تحت حكم اليمين الكاذبة،
وشهادة الزور،
والزنى بالمراسيم والمؤتمرات الصحافية والأعمال.
نعيش تحت حكم يخوَن الذين خانهم،
ويرسم الضحايا مجرمين والمجرمين ضحايا. نعيش تحت حكم الغباوة والجبن،
سائبين في دولة سائبة،
مغشوشين بكل شيء،
فليست الغارة الوهمية وحدها وهماً،
بل المسكن كذلك، والملجأ كذلك،
وكذلك الحدود، والكيان كذلك!
* * *
لكن لنتمهَّل فرئيس الحكومة قرفان.
ظلَّت خيرات وجهه تفيض على هذا الشعب حتى أرهقه العطاء. وبماذا قوبل؟
بطلاّب
مستائين! ببلد غاضب! أين عرفان الجميل؟
ولا كلمة شكر!؟
واستبد القرف برئيس الحكومة.
من ليس قرفاناً
بعد من الحكم؟ هل هناك من لا يهدد بالاستقالة؟ هل هناك من لا يضع الحقّ
على مدير المطار،
مثلاً،
أو الدرك، أو الرادار،
أو الطلاّب،
أو الشعب؟
إذا كان الحكم مقرفاً
فمن الواجب تنظيفه. حرام أن يتحمّلوه
وسخاً،
فليتفضَل القرفانون إذاً
ويخرجوا،
كي يتمكن الكنّاسون من التنظيف دون أن تتعرض أنوف
القرفانين للغبار!
* * *
بين "بهجة" العويني و"كآبة" اليافي
أصبح الحكم مشمولاً
بغياب المسؤولية وانهيار الأعصاب. إنه حكم "الزهزهة" على حساب حياة
الناس،
والسويداء والإضطراب النفسي على حساب وجود لبنان بأرضه وأهله. إنه حكم
الكراكوز والتهريج والذعر من كل شيء. وعوض أن يستولي القرف على
المواطنين فيستقيلوا من الحكام إذا بنا لا نشاهد غير الحكام يقرفون
ويستقيلون أو يهددون بالقرف والإستقالة.
قال أهل الجنوب
أن
إشتباك يوم الخميس لم يفاجئهم.
حقيقة؟ حتى "إنتصار" المطار لم يفاجىء
اللبنانيين كثيراً.
كانوا يتوقعونه.
بدولة بطلة كهذه الدولة نحن بالمرصاد
لكل طارىء!
بتخطيط علمي كهذا التخطيط لن يباغتنا شيء! برئيس حكومة كالدكتور عبد
الله اليافي ووزير خارجية ودفاع كالحاج حسين العويني ننام على حرير: لن
يغلبنا أحد!
ولقد ربحنا!
جعلنا من الفضيحة ضرب ذكاء،
ومن الغضب على الفضيحة خيانة وطنية،
ومن شفقة العالم علينا "عطفاً
هائلاً"،
ومن شرشحتنا بين الأمم كسباً
ديبلوماسياً!
معه حق رئيس الحكومة أن يقرف،
ووزير الخارجية والدفاع أن يأخذ الدنيا بالخلط. عوض أن نشكرهما على هذه
العبقريَة،
نتغنّج ونطلب محاكمة المقصرين!
أيَ مقصّرين؟
ألم نفهم أن الحق على رجال الكوماندوس
الإسرائيلي،
الذين جاءوا مثل الزعران في ليلة ما فيها ضوء قمر،
عوض أن يجيئوا مثل الأوادم في ليلة مقمرة!؟
* * *
كان المأخذ على العهد السابق أنه كابوس
على الحريات.
وبعده خُيّل إلينا أن الكابوس تضاءل.
لكن كابوس آخر إنتصب مكانه هو الكابوس
على مصير لبنان بحياته الماديَة والمعنويّة،
بسلام بنيه وسلامة أرضه, ببقائه أو زواله.
وقبل حرية الإنسان هناك حياته،
فإذا لم يكن حيَاً
فكيف يتمتع بالحريَة؟ والحياة، لتكون حرّة،
لا يكفي أن تقف خارج أسوار الموت،
بل الأهم أن تكون خارج الخوف،
والذل،
والتهديد الدائم.
المأخذ الكبير على هذا العهد هو أنّه
يعيّشنا تحت سيف التهديد المسلّط:
سواء التهديد بالغزو،
أو بالإنهيار الداخلي،
أو بعملية إذلال رهيبة كالتي تلقّينا
صفعتها في المطار. المأخذ الأكبر على هذا العهد هو أن اللبنانيين لم
يعودوا مطمئنين إلى شيء: لا إلى العدل،
ولا إلى الكلمة،
ولا إلى القوة. لا إلى حماية النفس بالنفس ولا إلى ضمانات الآخرين
بالحماية. لا إلى السلم ولا إلى الحرب. لا إلى الماضي ولا إلى
المستقبل. إن اللبنانيين يشعرون بأنهم كانوا مخدوعين،
وأن الأسماء لم تعد تعني ما فيها، وأنهم محكومون من غير حكام،
وأن وطنهم الصغير مريض وحيد حزين،
أطبَاؤه شحّاذو
شفقة على أعتاب الدول،
وممرضوه غائبون بداعي الجهل والعجز والإستهتار.
وغداً؟
غداً،
إذا رأوا هذا الوطن الصغير يطالبهم بحقوقه،
سيحاولون،
كما فعلوا دائماً،
أن يتخلصوا منه: يستقيل الحاكم فيلتهي الوطن الصغير بالملهاة،
أو يفتعلون له حادثاً
طائفياً
فيغرق في مأساة بعضه البعض.
وتعود الفضيحة لتستحيل إنتصاراً،
ويعود الجبن فيبدو بطولة،
وتعود شهادة الزور لتنقلب هي العدالة،
سواء برئيس حكومة كالدكتور عبد الله اليافي ووزير خارجية ودفاع
كالحاج حسين العويني،
أو بأي عبقري آخر ينفضون عنه غبار الدهر،
ويسحبونه من المتحف، ويقنعونه بأنه حي لم يمت بعد.
وسرعان ما يقتنع بذلك وحده،
فيرى أنه فعلاً لم يمت بعد،
والبرهان أنه لا يزال يستطيع،
بحيويّة
مدهشة، أن يقود هذا البلد إلى الخراب!
6 كَـــانون الثـَـاني 1969
جورج!جورج! إنه بروتون!
كنت أقرأ بعض النظريات في الشعر لتوماس اليوت قبل أن التقي، في تلك
السهرة، جورج شحاده.
لم أقدر أن أحب اليوت حقاً. لقد إستحوذ على خشيتي بصرامته ورباطة جأشه
الفكرية. لا أستطيع أن أتمالك كلما تذكرته من أن أتخيل كاهناً علاّمة
ومضجراً، أو معلماً قاسياً
وحذقاً كعانس نابغة.
تلك الليلة قارنته في سرّي بجورج شحادة فكرهت اليوت، لأنه بدا لي، في عمقه وصقيعه، كالرخام بلا رحمة، وعندما يتكلم على
الشعر لا يبتسم. لا تجرفه حماسة العاطفة. كأنه لا يزعبر ولا يخطىء.
ومن لا يزعبر ولا يخطىء لا "يمتزج بالهواء".
* * *
صار شحادة يعرف الإصغاء إليه. وهكذا،
كلما إلتقينا،
نتابع حواراً قديماً لا يزال على اللسان. وأحياناً بين اللقاء به
والآخر بضعة أشهر، أو أكثر من عام. لكن
الحقيقة أن الفراق ليس هو عكس اللقاء. عكس اللقاء هو اللامبالاة.
-
هل
تحب هذه الموسيقى؟
-
الصوت ساحر. أندريه بروتون كان يقول: "الموسيقى ضجيج". كان يكره
الموسيقى.
-
أنا
لا يستهويني الرسم كثيراً. إني أرى بأذني.
-
السورياليون كانوا يحبون الرسم.
-
كيف
تعرّفت على بروتون؟
-
في
باريس. كنت أتمشى مع أحد أصدقائه. فجأة أمسك ذراعي بعنف وهزّها وصاح:
"جورج! جورج! إنه بروتون!" كنّا
على الرصيف وكان بروتون وحيداً،
يسير في وسط الشارع،
تاركاً المسافة ذاتها
الى كل من يمينه ويساره. مثل زعيم من زعماء الهنود الحمر. وشعر رأسه
كلبدة الأسد. كان عالياً وشهماً. قال لي:"تشرفّنا".
قالها بملء شعوره بما في كلمة شرف من فروسيّة. كان كاهن الشعر الفرنسي
الأكبر.
-
ما
الذي جعله يختارك بين شعرائه المفضّلين؟
-
دعانا مرّة الى بيته. قرأت له من أوائل شعري. كان هناك جملة
تقول:"توابع الكتابة: التنقيط والأفكار...".
حين قرأتها إنتفض واعلن:" سيد شحادة، ما تقوله هنا خطير!
ترتيبك الأفكار في الشعر في المركز الثاني بعد التنقيط، شيء رائع! إنني معك
بكل قواي".
"كان
يُغيظه العقل الفرنسي الذي
يصرّ على شحن الشعر بالأفكار. العقل الفرنسي الديكارتي، الذي فجّرته
السوريالية وتطلّعت الى الشرق. لعله وجد في شعري التقاء بالعفوية التي
حاولت السوريالية استرجاعها عَبْر اللاوعي،
وبواسطة الأحلام،
والكتابة الأتوماتيكية،
وتفجير اللغة والأشكال.
-
يجب
أن تعود الى الشعر.
-
ومسرحياتي، يا صديقي، ما هي؟ "سهرة الأمثال"
أليست نشيداً؟ أنا لم أترك الشعر.
-
تركت القصيدة.
-
صحيح ولم اترك الشعر. بمسرحي نقلت شعري الى ميدان اوسع،
أعطيته الملعب الرحب،
والأصوات الثلاثة. مسرحي لا يمكن ان ينفصل عن شعري.
* * *
-
بول ايلوار يذكِّرني قليلاً بفرلين.
-
فرلين؟ ليس هيِّناً! يظلمونه. فرلين شاعر خطير. اقْرأْه من جديد.
-
أراغون؟
-
دخلتُ في أحد الأيام الى
محل أحذية في باريس. صادفت أراغون فتبادلنا التحيّة. ثم انصرف. إشترى
تسعة أزواج أحذية لقدميه. تسعة! وضعتُ
له عند صاحب المحل كلمة قلت له فيها:" الرأس ينفع
لأمور كثيرة. أما الأقدام فلا. في الحبّ
لا يمشون غير خطوة!".
-
وفاليري؟
-
ذكر
لي أندريه جيد على لسانه هذا القول:" عندي من الذكاء ما يسمح لي أن
اكتب الشعر حين اريد". لا... كل شعراء الأفكار مشبوهون.
-
والشعر العربي؟
-
أنا
سعيد لأني أكتب بالفرنسية.
* * *
-
" آه يا غبار البشر العذب...". هذا شعر لك.
-
إذا
لم يكن الفن بشريّاً كان كاذباً. الكمال الشعري الحقيقي هو في الوداعة
لا في الجبروت.
-
شكسبير؟
-
شكسبير تماماً، شكسبير. شيء لا
يصدّق. تعرف لماذا شكسبير خالد؟ سأقول لك شيئاً. يجب ان يكون الإنسان
أعزل ليكون شاعراً. من يقرب الشعر محمّلاً بالأفكار يبشّع
الشعر. الفلسفة في الشعر وباء طاحن.
-
"حين كنت تلبسين ثياب تلميذة وتنامين كلّ ليلة على طفولتك..."
هذا شعر لك. وأيضاً:
"كيف نحظى بجسد الطفولة وروحها في غرفة
مضاءة باللصوص!".
-
ليس
الطفولة فحسب. الطفولة طبعاً وطن لا ينقطع الحنين إليه. ولكن سأقول لك
شيئاً. سر التحفة الفنّية. التحفة الفنّية، الأثر العظيم الذي
يحيا مع العصور وقد لا يموت أبداً،
هو الذي يستوفي هذين الشرطين: أن "يتظاهر" بأنه حديث، أو عصريّ، وأن يكون باطل
الموضة.
-
كيف؟ هل مثل ما فهمت انا؟
-
بالضبط!
-
كيف؟
-
أن
يتظاهر بأنه حديث أي أن تكون عليه مسحة من عصره. مجرد إغراء شكلي يضمن
له حقّ المثول مع الماثلين في عصره،
ولكنْ دون أن يُفقده ذلك أبدّيته. الموضة تافهة في الشعر. الجديد
ثانوي.الجديد قزم أمام الأبدي. ليأخذ الشاعر من الموجات الجديدة ما
يستحلي، شرط أن يأخذ ما يضاف
الى الجوهر لا ما يحتل محل الجوهر. الخطر في مماشاة الموجة هو أن ينجرف
الشاعر ليصبح هو نفسه موجة،
فيغرق بعد قليل.
-
وبطلان الموضة؟
-
" ديمودي"... يظنّون أنهم هم الذين
يكتبون. مساكين. الذي يكتب هو الزمن. الشاعر يمتنع عن عمل إثنين:
الرضوخ السفلي للزمن، وركوب التيار ضده.
كلاهما خطأ. الخطّة
الناجحة هي في ملاطفة الزمن،
كالحصان العنيد،
حتى التمكّن
منه،
حتى مصادقته وامتطائه. أن يكون الأثر الفنّي
باطل الزي أن يكون،
في آن واحد،
مع كل الزمن وخارج الوقت. أن يبدو"أركاييك".
* * *
-
ماذا تفعل في الليل؟
-
أنتظر النوم؟
-
متى
تنام؟
-
حين
اتعب من الإنتظار.
-
تتلفّت كالعصفور.
-
أتمنّى لو أكون كاتباً
مجهول الإسم. كاتباً مشهوراً مشهوراً ومجهول الإسم. أظنها
سعادة.
...
ومضى.
"كطفل يتذكّر
الفوضى الكبيرة المضيئة".
ومضى.
" وامام وجهه المزيد من الوداع"...
27 نيسَــان 1969
صاحب الفخامة الخوف
يجب
ان نقتل الخوف. لقد صرنا نخاف كثيراً.
كلنا.
أين
هم الرجال الذين كان صوتهم عالياً، والشجعان الذين كانوا يضحكون من
وقار الخليفة؟ أين أولئك المجرّدون من المصالح؟ أين هم الأبرياء؟
يجب
أن نقتل الخوف. إذا كان الخوف رجلاً، فلنقتل الرجل. وإذا كان
جماعة، فلنقتل الجماعة. وإذا كان خرافة فلنسحقها.
قد
يكون من حقنا أن نعيش بعض العمر في الصمت. قد يكون من حق العمر أن
يعيّشنا عهداً أو بعض العهد في الرعب. ولكن لا حق لنا أن نجعل من حياة
الرعب أبدية.
على
كل من يكتب، على كل من يقرأ، على كل من يعلّم ويخطب ويبشّر ويدلي
بتصريح، وعلى سائر المكمومة أفواههم، المعصوبة عيونهم، المعطوبة
أجنحتهم، المرميين في التهديد وتحت الوصاية، الممنوعين من الجهر بما
يريدون، المشطوبين خطّياً أو شفهياً، المحالين على الظلّ رسمياً أو
بالسر، على هؤلاء جميعاً وسواهم أن يهزّوا شجرة كرامتهم، وينتفضوا على
ذلّهم، ويدركوا انهم ليسوا احراراً في اليأس فحسب بل هم أحرار للرجاء
أيضاً.
نخاف
بعضنا من بعض، ويجب ان نصارح بعضنا بعضاً.
نخاف
الفدائيين، ويجب ان نعلن للفدائيين مواقفنا الصادقة، فلا نحبّهم
بلساننا ونغدر بهم في الخفاء.
نخاف
السلطة، ويجب أن نعارض السلطة بأقصى ما لدينا من قوّة لأن السلطة
تخطىء، ولأن واجبنا أن ننتقد السلطة.
نخاف تسمية الأشياء بأسمائها، ويجب أن نسمّي الأشياء بأسمائها.
نخاف
أن ينتقموا منا، ويجب ألا نهاب انتقامهم منا لأن بداية انتقامهم منا
هو خوفنا من انتقامهم.
نخاف
الملاحقة، والسجن، والقتل وربما، أبسط من ذلك، نخاف "وجع الرأس". ويجب
ان ندرك ان العائش في دوّامة الخوف من الملاحقة والسجن والقتل، سوف
يصل الى يوم يفضّل فيه السجن على الطلاقة الحقيرة، والموت على التواطؤ
والدهلزة والعبودية.
من
يحكمنا الآن؟ السيد شارل حلو؟ مسكين، السيد حلو! يكاد عهده كله أن
يكون مستقيلاً مكلَّفاً لا يؤلِّف، ويكاد عهده كله أن يكون مع وقف
التنفيذ.
ولا
السيد كرامي يحكمنا، ولا السيد حمادة، ولا الوصايات الأجنبية، ولا
الغلاء، ولا الرأسماليون ومصّاصو الدماء، ولا الزعماء، ولا
المدنيون، ولا العسكر.
لا
أحد من الحكَّام يحكمنا.
الذي
يحكمنا هو الخوف.
صاحب الفخامة الخوف. صاحب الجلالة الخوف. الخوف سبحانه تعالى .
ويجب
أن نقتل الخوف.
19
تشـرين الأول 1969
ابكوا أيها العرب
ابكوا
أيّها العرب. ابكوا على بلدانكم الحبيبة التي لا تجرؤون حتى على
ملامستها في الخيال. ابكوا اليوم على غد قد لا يكون فيه عرب يقدرون حتى
على البكاء.لأنهم سيكونون قد انتزعوا منكم حتى دموعكم.
ابكوا أنتم أهل البكاء. هذه هي الاطلال ابكوا. والله
لو ملكتُ أن أبكي لبكيتُ عنكم جميعاً شَبَع الصحراء.
ماذا تنتظرون؟
لقد أعطي الميت أن يبكي نفسه وهو لا يزال يتنفس. أيترك
الميت فرصة كهذه تفوته؟
ابكوا فلن يبكيكم أحد.
والقوا
على أنفسكم نظرة الوداع فلن ينظر إليكم بعد غد أحد.
1 شــــبَاط 1970
أُحبها
بإرهاب
لمناسبة تقديم
مسرحيتها الغنائية
"
يعيش! يعيش!".
في
حياتنا لا مكان لفيروز. كلّ المكان هو لفيروز وحدها.
* * *
ليكن
للعلماء علم بالصوت وللخبراء معرفة، وليقولوا عن الجيِّد والعاطل. أنا
أركع أمام صوتها كالجائع امام اللقمة، احبه في جوعي حتى الشبع، وفي
شبعي احبه حتى الجوع.
أضم
يديّ كالمصلّين وأناديكَ : إحفظْها! إحفظها! إذا كنت الله فهي برهانك،
وإذا لم تكن أنت الله فهي بديلك!
لقد
وقعتُ سابقاً في بشاعة الكبرياء فكتمتُ اعترافي. والآن اقول اعترافي:
إني لا اؤمن الا بها. وأعيش لأنها هي الحياة.
باقي
ما افعله، أفعله مرغماً. أنا مرهون بنزوات حنجرتها، عاقد مصيري على
نظرها وخنصرها وآثار قدميها. لقد أعادت اختراع الينابيع. ليست هي طريق
الحياة بل الحياة.
اني
أتكلم من اعماق البصيرة حيث الصدق لا يختبىء من الخجل ولا يتدلّل لكي
يتعرّى : يا رب إحفظها! يا رب إخدمها! يا رب اعطني كلاماً يليق بها!
لقد ساقوا إليها المديح، وارتكبوا بحقها خطيئة التعظيم. ولكن يا رب
لماذا اناديك؟ وهل أنت سوى غريب آخر؟
وسط
الجماهير المتمازجة القاسية، أخاف فلا ينقذني إلا صوتها. في فراغ
المكان، يتردد كالبشارة في ضميري. في الوقت والأبدية، هو حبي. إني
أشتهي ان أضمه بيديّ كيديّ. أو أنفخه فيطير كرماد وردة.
* * *
تغنّي لنا الأسرار التي جهلناها، والأحلام التي نسيناها.
تغنّي وصوتها مكشوف كاليد المفتوحة، وتغنّي وصوتها محجّب كوجه خفضه
العذاب والخفر الى رجاء الأرض.
شعر
أغنياتها جميل ولحن أغنياتها جميل. ولكنْ ليس هذا فقط. الرحبانيان
شاعران كبيران وفنانان كبيران. ولكنْ ليس هذا فقط. حتى لو لم يُكتب
لها شعر جميل، فإن صوتها كفيل أن يجعل أي كلام شعراً جميلاً، حتى لو
لم يكن اللحن رائعاً، فإن صوتها كفيل أن يجعل أي لحن رائعاً. لأن
صوتها هو الشعر، والموسيقى، والصوت. لأن صوتها هو "الأكثر" من الشعر
والموسيقى والصوت .
صوتها وتمثيلها وحضورها. إن في وجودها إشعاعاً يبهر كالبرق، ويستولي
على الناظر إليها كما يستولي الكنز على المسافر.
صوتها الذي أسمعه فكأنه هو الذي يسمعني، بل كأنه احسن من يصغي
إليّ وأنا اصغي إليه.
صوتها الساقط فينا كالشهيد، المُخمد حولنا العواصف، المُلهب
فينا غرائز البراءة والوحشية. صوتها كمصابيح في المذبح، وكزهرة جديدة
حمراء في حديقة قديمة.
لا صوتها في سمعنا فحسب، بل الى الأمام من حياتنا.
صوتها المنوِّر. الذي تنويره كتنوير الصليب. لنتوقف ونقدّم
لفيروز الشكر في جميع العالم، لأن صوتها راعي الرعشة، لأنه هو الرعشة،
وهو نار الحب الأخيرة الممشوقة كعروس فوق الماء.
* * *
أقول " صوت فيروز" وأقصد " فيروز". تلك المرأة اللامحدودة العطايا،
التي ليس لجمالها نهاية. كلها بكاملها، متحرّكة وجامدة. كلها،
بأصغر تفاصيلها. إني لا اعرف فناً غيرها.
وأحبها بإرهاب، أي بالشكل الحقيقي الوحيد للحب.
إن صوتها هو عصرنا. ولصوتها سبعون نافذة مفتوحة على الصباح.
للصرخة إذا خفضناها قليلاً، قوّة أشدّ. هكذا صوتها عندما لا يتفجّر
كله. وحين يتفجّر كله يصبح الكون، بعده، جميلاً كغصن شجرة حرقته
صاعقة.
وما زال أمام صوتها وأمام عبقريته جميع الفرص. يُقال احياناً:"
فيروز؟ نعرف، نعرف". ماذا نعرف؟ تقريباً لا شيء. لنسمع صوتها
جيّداً ولننظر إليها بعيون نقيّة. عندئذٍ نعرف انها، في كل مرة، "
تبدأ الآن" . فهي في كل مرة نضرة كرنّة الثلج في الكأس. ومع هذا فما
تخبئه هو أغنى مما أباحته.
ليتني أستطيع أن " ألمس" صوتها. أن أحاصره وألتقطه كعصفور، كأيقونة.
ان اكتنفه وأشربه وأكونه. أن أصير هو. أن لا يعود يحبس أنفاسي كلّما
سمعته وكلّما تذكرته وكلّما نسيته. ليتني أستطيع أن أضمّه على صدري
فيصبح لي وأرى أسراره، ولا يعود ممكناً إنتزاعه مني ولا بالموت.
أن ما يحدث لي تجاه صوتها ليس فعل السحر. أنه اجتياح. إنه فعل
الإتحاد التام. عندما أسمعها أصبح إنساناً ناقصاً صوته. أصبح
بصوتها. إنها الجمال الذي ضاع منذ الخليقة.
وعندما تسكت فبوحشية. يصير المسرح تحت سكوتها مقاطعة تتنفس
الحنين إليها، ثم تصرخ عطشها الى كلام فيروز. كم سكوتها مؤلم! إنه
يأخذ الأسرار التي إن لم تقلها لنا تختنق. هل هي تفرح بعذابنا أمام
سكوتها؟
وها هي تقطع الصمت. ها هو وجودها يغضب كالضوء، يموج كالبجع الأبيض،
يرقّ كنداء العينين. وتبكي وتضحك بلا بكاء ولا ضحك، وتملأ الدنيا بقليل
منها، لأن القليل منها أكثر من السعادة.
* * *
هذه التي تشعل المسرح هي أيضاً تشعشع لنا الحياة. والمسرح ليس حيث
المسرح فحسب، المسرح هو أيضاً قلوبنا. بعلبك والأرز ودمشق وبيت الدين
وقصر البيكاديللي وكل مكان يأتي منه صوتها، جعلتها فيروز أوطاناً لنا.
إحفظها! إحفظها!
فيها خطر يجذب كالبحر. ألا تعرف ما الذي يأخذك في صوتها؟ هو الجبل
الذي هو هاوية، والنسيم الذي هو عاصفة. صوتها مثل مركب شراعي يمضي في
وجه النوّ، فيتوجّع ويتمزّق، حتى يغلب بعناده جنون الطقس، فتسجد
فوضى الكون أمامه منهوكة كالرجل على صدر حبيبته .
مرآة الشوق، مرآة الحنان والحنين، مرآة الحب، مرآة الجرح والصدق،
وأكبر مرآة للحزن والشهيّة.
لو كان صوتها صليباً لحملته، ولو كان بحراً لأشعلته. لكنه أعظم من
ذلك. إنه الجمال. وأي هدف أعظم من الجمال يقدر الإنسان ان يعيش له؟
لو قلت أن فيروز هي الوحيدة لما قلت شيئاً. لو قلت انها كل شيء، لما
قلت شيئاً. ولو قلت اني مهما قلت سأبقى عاجزاً عن القول، لما قلت
شيئاً.
في حياتنا لا مكان لفيروز. كلّ المكان هو لفيروز وحدها.
في حياتي لا مكان لفيروز. إن فيروز حياتي.
15
شـــبَاط 1970
|